آراءمقالات

تركيا العمق الاستراتيجي للعرب لو كانوا يعلمون

Latest posts by د. محمد عياش الكبيسي (see all)

حينما نستعلي على الأحداث الجزئية ونتجاوز إشكالاتها اليومية وننظر إلى المشهد الكلي للمنطقة، فإننا أمام ثلاث قوى إقليمية فاعلة -على ما بينها من تباين-: تركيا، وإيران، وإسرائيل. ولا توجد دولة عربية واحدة تستطيع أن تقف على قدميها لمنافسة واحدة من هذه القوى، ذلك إذا كنا نتكلم بالمعايير العلمية والمنطقية لعناصر القوة، وليس بالمعايير الذاتية والعاطفية.

لقد خرج العراق من المعادلة تماماً بعد أن كان الطرف الأقدر على تحقيق قدر من التوازن المطلوب، ثم خرجت مصر كذلك، وأما السعودية فكان بإمكانها أن تتقدم إلى منصة المنافسة، لكن الأحداث أثبتت أنها لا تختلف في مجموع أدائها عن الدول العربية الأخرى. ولعل تجربتها في اليمن خير مؤشّر على ذلك، وكذلك إدارتها للأزمة الحالية بهذه الطريقة التي هزّت موقعها القيادي، حيث تفلتت الخيوط من يدها، وأُصيب مجلس التعاون بحالة شلل تام أو موت سريري. وإذا كان هذا في فضائها الأقرب، فما بالك بالفضاء الأبعد، وهذا لا شك مما لا نتمنّاه، فلا نزال ننظر إلى السعودية باعتبارها العمق الطبيعي، خاصة بالنسبة لأهل السنة المنكوبين في الشام والعراق، ولكن كأنّ هناك من يسعى -وضمن حسابات وطموحات ضيّقة، وإن بدا ناصحاً أو حليفاً- لتوريط المملكة وإشغالها عن الدور اللائق بها.

لقد بات العرب مكشوفين تماماً، وغدت العواصم العربية تتهاوى الواحدة تلو الأخرى، وأصبح التهديد بسقوط مكة والمدينة تهديداً جدياً وخطيراً، ولم تُجدِ كل المراهنات على العلاقات والوعود الغربية. وإزاء هذا المنعطف الخطير، لا بد من مصارحة ومناصحة لكل من يعنيهم الأمر. أما الاحتماء بمقولة السمع والطاعة لولاة الأمر ودرء الفتنة ونحوها، فهذه مقولات صحيحة في نفسها، لكنها سقيمة في نتائجها؛ لأنها مجتزأة ومعزولة عن واجب النصح والتبصير بالعواقب، فهناك مساحة واسعة بين الفتنة والفوضى والشغب، وبين الطاعة العمياء والاستسلام للواقع.

إن تركيا اليوم هي القوة الوحيدة التي يمكن الوثوق بها. أما محاولة بعض وسائل الإعلام لحفر الهوّة بين العرب وتركيا، فهي محاولة مشبوهة لجعل العرب يخسرون آخر أصدقائهم في هذا الظرف الذي نرى فيه الأطماع باتت قريبة من مكة والمدينة.

إن خسارة العرب لحليف استراتيجي كبير كتركيا -خاصة مع وجود التغوّل الإيراني الذي تمكّن بالفعل من تطويق الجزيرة العربية- ليس له معنى غير التخبّط والضياع، أو محاولة غبية جداً لكسب الود الإسرائيلي، وهذه -لو كانت- فهي لا شك بداية النهاية الفعلية.

إن إسرائيل ليست عدوة للفلسطينيين ولا لحماس ولا للإخوان، إنها عدوّة لكل مسلم ولكل عربي ولكل عقال ولو كان على رأس علماني أو ليبرالي. سلونا نحن في العراق كيف أسلمتنا القيادة الأميركية المتصهينة لسكاكين الميليشيات الطائفية، على أي شكل كنّا وبأي ثوب خرجنا، حتى من كان ينادي بالتطبيع، وحتى من شارك في العملية السياسية.

لقد كان أمام السعودية فرصة كبيرة لقيادة العرب في بناء هذا الحلف الاستراتيجي مع تركيا؛ فهذا هو دورها اللائق بها وبمكانتها الدينية والعربية، وهذا هو الذي يعزّز موقعها القيادي في فضائها الخليجي والعربي وليس العكس.

لقد فقد الإعلام «العربي» مصداقيته، حينما بدأ الآن يذكّر العرب بما يسميه «الاحتلال التركي» الذي انتهى منذ مائة عام، ثم يغض الطرف عن الاحتلال الحالي الصهيوني للقدس، والاحتلال الصفوي لبغداد ودمشق وصنعاء، إضافة إلى الاحتلال الرسمي للجزر العربية الثلاث، بل ويسكت عن الدعوات الصريحة للتطبيع مع الكيان الصهيوني، وجعل «أمن المواطن الإسرائيلي» من أولى الأولويات.

إن نبش التاريخ بهذه الطريقة لا يخدم العرب بكل المقاييس، إضافة إلى أنه محاولة لمحاكمة واقع بمقاييس واقع مختلف، فالعرب الذين فتحوا البلاد المجاورة، ووصلوا إلى القسطنطينية وبخارى وقرطبة، إنما فتحوها تحت ظل العقيدة الإسلامية الجامعة، ولم يكن ثمّة استعلاء قومي أو تمييز عنصري، بل كان العرب يتقبلون المنافسة على الصدارة ثقافياً وسياسياً واقتصادياً، ومن هنا كان قبولهم بمحمد الفاتح وسليمان القانوني وعبد الحميد الثاني، يكافئ قبول الترك أيضاً بأبي أيوب الأنصاري، ثم هارون الرشيد والمعتصم، وبهذه العقيدة الجامعة لمع أيضاً اسم طارق بن زياد، ونور الدين زنكي، وصلاح الدين الأيوبي، كما لمع اسم أبي حنيفة، والبخاري، والترمذي، والغزالي.

إن نبش التاريخ بهذه الطريقة يحمل أيضاً فكرة مغلوطة هدفها تخويف العرب من خلافة عثمانية جديدة، مع أن الذي يروّج لمثل هذا عارف بأن تركيا اليوم ليست تركيا الأمس، وأن الفلسفة التي تقوم عليها الدولة التركية الحديثة مختلفة إلى حد كبير عن الفلسفة التي تكونت على أساسها الدولة العثمانية، ثم إن السياسة العالمية الحالية لا يمكن أن تتسع لمثل تلك الصيغ في بناء الدول، ومن ثم فالذي نطرحه بقوة هو بناء تحالف بين دول حديثة على أساس الندية والمصالح المشتركة ووفق النظام الحديث وليس بصورة سلطان السلاطين وملك المماليك.

هنالك من يستغفل مشاهديه ومتابعيه، فيلتقط صورة تجمع القادة الأتراك بنظرائهم الإيرانيين أو الروس أو غيرهم في أي مناسبة كانت، ليستنتج من ذلك أن الأتراك متحالفون مع أعداء العرب، متغافلاً أن الدول التي يفترض أنه يعبّر عن سياساتها ربما تتمتّع بعلاقات أكثر نعومة، وأوسع دائرة مع كل أولئك، والأهم من هذا أنه يتغافل عن أن تركيا تملك قرارها السيادي، وتبني علاقاتها السياسية وفق ذلك، بخلاف كثير من الدول العربية، وعليه فالتوازن المطلوب في المنطقة إنما يتحقق بوجود توازن فعلي على الأرض من حيث الإمكانيات والقدرات، وليس بالسباب والشتائم ولا بالمقاطعة السلبية التي قد تضر بنا وبشعوبنا أكثر مما تنفع.

إن تركيا قادرة على التأثير في سياسة المنطقة بوزنها الاقتصادي وموقعها الجيوسياسي وببنائها الداخلي المتماسك، ومن ثم فلا خشية من علاقاتها المتعددة والمتشعبة، لأنها بكل الأحوال لن تكون ذيلاً لأحد، ولا أداة وظيفية بيد أحد.

أغرب من ذلك من يقول: إن تركيا تهمها مصالحها! وكأن المطلوب من أردوغان أن يقول لشعبه: سأضحّي بمصالحكم من أجل إخواننا العرب!

إن الذي يقرأ الساحة بشكل جيد يدرك أن تركيا بحاجة إلى العرب للوصول إلى الكثير من مصالحها، وحاجة العرب إلى تركيا أكبر، والفرصة ما زالت قائمة لبناء تحالف استراتيجي بين الطرفين لتحقيق المصالح المشتركة وإعادة التوازن المطلوب في المنطقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى