آراءمقالات

الحاكم الفرعون

Latest posts by د. عمرو عبد الكريم سعداوي (see all)

الحاكم الفرعون يرى نفسه هبة السماء لهذا الشعب، هو منحة ربانية، عندما رضى الله عن هؤلاء الناس منحهم هذا الحاكم الهبة، يحكمهم حكما خالصا ليس له شريك، وله زوجة وولد.. ويرى أن تاريخ البلاد بدأ بتوليه زمام الأمور وأنهم (أي الشعب) كانوا قبله نسيا منسيا، ولم يكن لهم ذكر.

***

(ما أريكم إلا ما أرى) آية كريمة تلخص منهج ومنطق الحاكم الفرعون في الإدارة والحكم والسياسة.

ففي نظام الحكم الفرعوني لا يرى الحاكم شعبه شيئا مذكورا بل يراه والعدم سواء، فيستكثر عليهم أن يكون لهم رأي أو قول، فضلا عن أن يكون مخالفا لرأيه أو قوله.

فالنمط الفرعوني في الإدارة والحكم والسياسة لا يعترف بالناس ولا يراهم، ولا يرى أن لهم حقا في أن يختاروا من يحكمهم، أو حتى إذا فرض عليهم من يحكمهم أن يختاروا السياسة التي يحكمهم بها.

الحاكم الفرعون يعتبر نفسه ظل الله في الأرض، وهو الممثل للقوى العليا التي تحكم العالم واختارته هو أن يحكم هؤلاء الناس وتركت له أن يحكمهم بما شاء أو شاء له الهوى، أو شاءت له بطانة السوء الفاسدة التي يستكثر منها، أو الملأ الذين يحيطون بكل فرعون.

الحاكم الفرعون يوحد ما بين نفسه وبين الوطن والأرض، فيصبح هو الامتداد الطبيعي للوطن أو يصبح الوطن الامتداد الطبيعي له لا فرق، ويكون هو الوطن والدولة، والوطن والدولة هو.فيتماهى الوطن أو يكاد في سياسته ونمط حكمه.

وفي هذا الإطار يصبح الولاء للحاكم الفرعون هو الولاء للوطن/ الأرض، ويصبح الانتماء له هو الانتماء للوطن والأرض.

فلا نظام سياسي أو اجتماعي حاكم ولا مؤسسات نقابية وسيطة ولا ممثلين حقيقيين لهذا الشعب المسكين الذي وضعته الأقدار بين براثن حاكم فرعون.

فالحاكم الفرعون لا يؤمن بالمؤسسات الوسيطة، ويبني نظام حكمه على العلاقة المباشرة بينه وبين الناس،إنا كان يرى أن ثمة ناسا أصلا.

فإذا كان ثمة ناس فهو يخاطبهم مباشرة، وله وحده حق التعبير عن طموحاتهم وآمالهم، أما آلامهم فهي لهم وحدهم، وعليهم أن يتحملوا تبعات المرحلة.

الحاكم الفرعون يرى نفسه هبة السماء لهذا الشعب، هو منحة ربانية، عندما رضى الله عن هؤلاء الناس منحهم هذا الحاكم الهبة، يحكمهم حكما خالصا ليس له شريك، وله زوجة وولد.. ويرى أن تاريخ البلاد بدأ بتوليه زمام الأمور وأنهم (أي الشعب) كانوا قبله نسيا منسيا، ولم يكن لهم ذكر.

هو مبعوث الإرادة الإلهية وهو المعبر عنها وليس للشعب إن كان ثمة شعب أن يعترض أو يتمرد.

الاعتراض والتمرد على الحاكم الفرعون خيانة للوطن وبيع للأرض (حتى لو كان هو من يقوم ببيع الأرض وتأجير قوته الخشنة بالقطعة حروبا أو تدخلا في صراعات ليس للدولة شأن بها نظير دعمه واستمراره في الحكم).

الحاكم الفرعون لا يرى أن من حق الناس أن تعترض أو تبدي رأيا في أي مسألة، فالرضوخ والطاعة المطلقة هو السلوك المتوقع من قبل الشعب تجاه قرارات هذا الحاكم الفرعون وسياساته، ومن ثم فأي سلوك مخالف لهذا التوقع يراه الحاكم الفرعون نكرانا للجميل وكفران للنعمة بعد أن قبل هو أن يتحمل مسؤوليتهم ويحفظ الوطن من مصير الدول التي قامت فيها حروب أهلية أو حتى احتلال أجنبي.

الحاكم الفرعون ليس له برنامج انتخابي ولا خطة عمل ولا وعود لتحسين أحوال الناس ولا حد أعلى لسنوات أو فترات حكمه، هو يحكمهم ما بقي على قيد الحياة (هذا إن تصور أنه يموت كما تموت الناس).

الحاكم الفرعون صحيح أنه ليس أزليا إنما هو يتصور أنه أبديا، وأن حكمه سرمديا.

والحقيقة المطلقة أن الحاكم الفرعون لعنة على شعبه، كارثة على مستقبل الوطن، وما يدفعه هذا الشعب المسكين من كلفة الخضوع أكثر بكثير مما قد يدفعه لو رفض الخضوع وإن ظن (أي الشعب) أن العكس هو الصحيح.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى