آراءمقالات

في الذكرى الأولى لـ “مؤتر الشيشان”.. إِظْهَارُ حَقٍ أَوْ انتِقَامُ حَاِقدٍ (2)

Latest posts by عنتر فرحات (see all)

في غفلة من الزمن أصاب الأمة وَهَنٌ رَهيبٌ، أَضَاعت أجزاءً كبيرة من أرض الخلافة، حيث أخذ الفاطميون مصر، وأخذ البويهيون خوراسان، وأجزاء من العراق، واستولى الصليبيون على القدس.

الأسباب المباشرة لوهن الأمة

وفي هذه الفترة رأى الإمام الغزالي (الحجة) أن من الأسباب المباشرة لهذا الوهن: هو الابتعاد عن الدين الصحيح، والتخاريف التي أُدْخِلت للدين باسم التصوف، وكان الإمام الغزالي إماما فيلسوفا، مفكرا، فترك الفلسفة وعلم الكلام التي تفنن فيهما، وفي غيرها من العلوم، وبدأ يفكر في كيفية إرجاع الأمة إلى دينها، ونهج نبيها، (صلى الله عليه وسلم).

وبفكر العالم الراسخ في العلم، والمفكر صاحب النظر العميق، أدرك أن الخلل يكمن في البدع التي تُبْعِد المسلم عن جوهر دينه، لذلك بدأ يضع مفاهيم لجوهر وحقيقة الدين (التصوف والسلوك الروحي)، وهذا ما ضَمَّنَهُ في كتابه إحياء علوم الدين، انتشر هذا الكتاب في الأقطار، وجعل الله له القَبول، لذلك لما جاء الناصر صلاح الدين، كان هناك جيل جمع بين التصوف (السلوك) والجهاد، أي استطاع الإمام الغزالي بفكره الدقيق، أن يرجع الأمة إلى ما كانت عليه زمن الخلافة الراشدة، (وإن كان هذا الجهد مَحدُودًا مَكانيًا)، وهو أن جوهر الدين – سلوك وعمل -، وبهذا الجيل استطاع صلاح الدين الأيوبي أن يحرر بيت المقدس، (وَتَذْكُرُ الرويات أن صلاح الدين الأيوبي تتلمذ على هذا الكتاب).

تربية المماليك على الفقه والجهاد

ثم على هذا النَّهْجِ سار الأيوبيون، فكانوا يربون المماليك على الفقه والجهاد، (كما فعل الملك الصالح)، لذلك كان الجيش الذي فيه جنود المماليك جيش لا يقهر، تربوا على النظرية التي رسمها الإمام الغزالي، وأحسن الأيوبيون تطبيقها مع المماليك، حيث لم يجعلوهم عَبِيدَ حَلبٍ وصَّرٍ، بل جعلوا منهم أبطالا للجهاد، وفقهاءَ دِينٍ، ثم المماليك هم من يَتَصَدَّونَ وَيُنْهُونَ كابوس التتر، الذي دَمَّرَ أجزاء كبيرة من الأمة الإسلامية، ثم يأتي الظاهر بيبرس، بعد معركة عين جالوت، وأول شيء يقوم به هو فتح الأزهر، لأن الملك صلاح الدين الأيوبي أوقف نشاط الأزهر؛ لأنه كان يمثل الفكر الشيعي، الذي نخر وغدر بالأمة، وفكرة ارجاع نشاط الأزهر، أكبر دليل على التربية التي نشأ عليها المماليك، لذلك وجدنا عصر المماليك أزهى عصر تزدهر فيه العلوم الإسلامية، وفيه ظهر كبار العلماء في مختلف الفنون.

وفي عصر المماليك، وبعد القضاء على التتر، ثم تحرير بقية البلاد من قبضة الصليبين، وظهور الرخاء في الحياة المجتمعية العامة، ثم يتبعها الترف العلمي الرهيب، الذي وصلت إليه الأمة الإسلامية، ولكن مع ظلم وجور السلاطين، بدأ يَتَسلَّلُ وَافِدٌ غَريب، لَبِسَ لِبَاسَ التصوف، وبدأ يُزَيِّن للسلاطين كل قبيح.

عصر العلماء

ظهر شاب كان نَبْعَةَ عِلمٍ، قَلَّ أن يجود الزمان بمثله، في ذكائه مثل الباقلاني، وفي فكره مثل الإمام الغزالي، وفي جرأته في الحق مثل ابن حزم، وفي سلوكه وتصوفه مثل القشيري، عالم في الشريعة، راسخ القدم في كثير من العلوم، وهذا ما جعله يرجع إلى ما قبل الإمام الأشعري، وخالف الإمام الأشعري في كثير من المسائل، ذلك لأنه تأثر بالإمام أحمد بن حنبل، الذي سبق الإمام الأشعري، إنه شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (661-728هـ)، ثم يدخل في سِجالات كبيرة مع بعض علماء عصره، وأراد أن يُرجع الناس إلى عصر الخلافة، وأن مذهب بعض المتصوفة باطل، لأنهم يختبئون تحت عباءة الأشاعرة، وبدأ يستدل ببطلان مذهب هؤلاء المتصوفة، وهذا ما جعله يدخل في حرب شديدة ضد كثير من أدعياء التصوف في عصره، وَبقي ما ذهب إليه مجرد أراء شخصية، لأنه لم يتبعه في ذلك كثير من الناس، باستثناء بعض طلابه، وإن كانوا من كبار العلماء (ابن القيم وابن كثير)، وهذا ليس بعجيب فالفترة الزمنية التي ظهر فيها ابن تيمية، كانت بحق أكبر فترة يظهر فيها علماء كبار، فيكفي أنه عاصره العلامة الإمام ابن دقيق العيد (625هـ 702هـ)، والحافظ المزي (654هـ -742هـ)، وابن جماعة (639هـ – 733هـ)، وغيرهم من الفطاحل والجهابذة الكبار، فطبيعي أن لا يكون لـ ابن تيمية أتباع من العامة، ولأنه كان في خلاف شديد مع علماء عصره، وكان دائما من الذين يُنكرون على السلطان، والعامة عادة تجنح لِمَن رِضَى السلطان صُبَّ عليه، أو لمن هو في كنف السلطان.

وإن خالف ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، كثيرا من أهل عصره في مسائل، مثل التأويل وغيرها، إلا أنه كان من الناحية السلوكية صوفيا، وهذا ما نراه جليا في كتابه مجموع الفتاوى، حيث خصص مجلدا تكلم فيه عن التصوف، ويتحقق هذا فيما كتبه العلامة الراحل عبد الحفيظ بن ملك (1366هـ 1438هـ)، في كتابه طبقات الحنابلة الصوفية، وخير دليل على ذلك أنه رحمه الله دفن في مقابر الصوفية في دمشق، وقبره لا يزال حتى اليوم، وهو مقابل كلية الشريعة، قبل جسر الرئيس، في العاصمة دمشق.

أما ابن القيم (691هـ 751هـ)، فكان إماما في التصوف، ويظهر هذا جليا في كثيرٍ من كتبه، خاصة كتاب مدارج السالكين وكتاب الفوائد.

وإن لم يكن كتاب مدارج السالكين، كتابَ تَصَوفٍ خَالصٍ، وخاصة في اعذاره لشيخ الإسلام، الإمام الهروي (396هـ 481هـ)، فما هو التصوف إذن، ويكفى دليلا على ذلك ماقاله صاحب مجلة المنار، محمد رشيد رضا في هذا الكتاب.

[وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ، وَأَحَبَّ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِنْ كَلَامِ خِيَارِ الصُّوفِيَّةِ فِي الْحَقَائِقِ، مَعَ الْتِزَامِ السُّنَّةِ وَسِيرَةِ السَّلَفِ فِي الْعِبَادَةِ، فَعَلَيْهِ بِكِتَابِ (مَدَارِجِ السَّالِكِينَ) لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْقَيِّمِ، شَرْحِ (مَنَازِلِ السَّائِرِينَ) لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ الْهَرَوِيِّ الْأَنْصَارِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ خُلَاصَةَ مَعَارِفِ الصُّوفِيَّةِ، الَّتِي لَا تُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ مَعَ الرَّدِّ عَلَى مَا خَالَفَهُمَا].

استغل أعداء ابن تيمية مخالفته للإمام الأشعري، في بعض المسائل، وجعلوا يصفونه بالضال والمجسم، ويَشُونَ به عند السلطان.

والحاكم في كل عصر، فقط يريد للعالم أن يكون خادما، يُطَوِّعُ له عامة الناس، وهذا ما لم يكن في ابن تيمية، استغل السلطان الوِشَايَات التي كانت ضد ابن تيمية، وأدخله السجن.

يتبع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى