آراءبحوث ودراسات

د. عبد اللطيف السيد يكتب: المهدي المنتظر الشيعي يقتحم أصول المتساهلين من أهل السنة

Latest posts by د. عبد اللطيف السيد (see all)

وقع المتساهلون فى رواية الأحاديث الضعيفة وتصحيحها من علماء أهل السنة فى فخ الكذابين والضعفاء من رواة الحديث المتشيعين، فابتلع الطعم بعض أهل العلم من السنة– سواء من المحدثين أو الفقهاء – واقتنعوا بقدوم المهدى المنتظر إلى عالمنا الإسلامى، ليملأ الدنيا عدلا بعد أن ملأت ظلماً، وسيبقى جميعهم منتظراً لهذا السراب حتى تأتيهم الساعة ويخيب ظنهم.

أخطاء الشيخ الألباني فى تصحيح أحاديث المهدي المنتظر

كان الشيخ الألبانى أحد أشهر المحدثين المتساهلين فى تصحيح الأحاديث الحسنة والضعيفة لكثرة طرقها، يسير فى ذلك على منهج المتساهلين الأوائل؛ أبى داود (ت275هـ.) الذى تساهل بالاحتجاج بالحديث المرسل، والترمذى وابن الصلاح وغيرهم ممن يحتج بالحديث الحسن أو الضعيف لكثرة طرقه، واعتباره مثل الصحيح فى الاحتجاج ولافرق، اللهم إلا فرق القوة كما يقولون.

وهى مدرسة مختلفة عن رواد الحديث الأوائل المتشددين فى تصحيح الحديث عن الثقات فقط؛ الإمام مالك (179هـ.) ثم الشافعى ثم ابن حنبل، ثم البخارى، ثم مسلم (المتوفى 216هـ.)، الذين اعتمدوا الحديث الصحيح فقط هو الحجة فى أحاديث الأحكام – أحكام الفقه والعقيدة – لأنها وحى الله تعالى إلى رسوله، والوحى إما أن يكون صدقا أو كذباً، فلا وسط بينهما وحسن، خلافاً للحديث الحسن فهو وسط بين الصحيح والضعيف عند المتساهلين، وقد اعتمدوه حجة فى الدين مثل الصحيح ولافرق بينهما فى الاحتجاج به.

وتشترط مدرسة المتشددين فى تصحيح الحديث؛ أن يكون الراوى عندهم ثقة؛ عدلا ضابطا، فى كل سلسلة إسناد الحديث، ولذلك لم يعتمد الإمام مالك فى موطئه إلا الثقات العدول الضابطين، وكذلك حال البخارى ومسلم فى صحيحيهما. وهذه الثلاثة هى كتب الصحاح التى لم يأت فيها حديثاً واحداً عن المهدى المنتظر.

وهذا هو معنى قول الشافعى فى أقل ما تقوم به الحجة فى أحاديث رسول الله، قال الشافعى:

(ولا نقبل حديثاً إلا من ثقة، ونعرف صدق من حمل الحديث من حين ابتدئ إلى أن يبلغ منتهاه). (الشافعى: الرسالة ص 398بتحقيق أحمد شاكر ط.دار التراث).

وقال الشافعى لسائله: (فقال لى قائل: حدد لى أقل ماتقوم به الحجة على أهل العلم حتى يَثبت عليهم خبر الخاصة. (يقصد خبر الآحاد).

فقلت: خبر الواحد عن الواحد حتى ينتهى به إلى النبى. ولاتقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أموراً -: منها: أن يكون من حدث به ثقة فى دينه، معروفاً بالصدق فى حديثه، عاقلاً لما يُحدث به… ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه، حتى ينتهى بالحديث موصولاً إلى النبى…).

(الشافعى: الرسالة ص 369 ط.دار التراث).

فالراوى الثقة هو أقل ماتقوم به الحجة فى حديث رسول الله. فمن كان دون الثقة (مثل الصدوق، أو من لابأس به، من رواة الحديث الحسن) فلاتقوم به الحجة فى حديث رسول الله.

وهذا هو معنى قول أحمد بن حنبل: (إذا روينا عن رسول الله فى الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا فى الأسانيد).

(الخطيب البغدادى: الكفاية فى علم الرواية ص 212ط.دار التراث العربى).

ومدرسة الحديث هذه لا تحتج إلا بالحديث الصحيح، أما الحسن والضعيف فلا تحتج به مهماً كثرت طرقه حتى وفاة الإمام مسلم (ت 261)، إلى أن جاء الإمام أبوداود بعده (ت275هـ.) ثم الإمام الترمذى (ت 279هـ.) فاحتجوا بالحديث الحسن والضعيف متى رُوى من طريقين،، فأحدثا فى الحديث والدين مالم يكن موجوداً من قبل، وهو التساهل بالاحتجاج بأحاديث الضعفاء ومن كانوا دون الثقات، فأدخلوا فى الدين ماليس منه حين احتجوا بأحاديث الأحكام على أنها وحى من عند الله تعالى وحقيقتها أنها كذب على الله ورسوله وليست بوحى الله إلى رسوله.

وقد سار على دربهما – من التساهل – أكثر المحدثين والعلماء من بعدهما حتى استقر هذا الأمر عند ابن الصلاح (ت 646)، فى مقدمته، التى انتشرت وعمت الأفاق إلى يومنا هذا.

نعم الإمام الترمذى متوفى 279هـ. هو أول من اخترع مصطلح الحسن واحتج به، وكل العلماء الذين قبله؛ مسلم، البخارى، ابن حنبل، الشافعى، مالك، أبوحنيفة، وغيرهم من علماء الحديث والفقه؛ الحديث عندهم نوعان؛ صحيح وضعيف، والحسن جزء من الضعيف وإن كان أفضل الضعيف.

قال الإمام ابن تيمية: (ينقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، وأول من عُرف أنه قسمه هذه القسمة: أبو عيسى الترمذى، ولم تُعرف هذه القسمة عن أحد من قبله).

(ابن تيمية: علم الحديث ص78 بتحقيق د.محمد موسى على ط. التوفيق النموذجية 1404هـ.).

وكان الشيخ الألبانى واحداً ممن تساهلوا فى رواية الحديث الحسن والضعيف باعتباره حجة فى الدين مثل الصحيح متى رُوى الحديث بأكثر من طريق، وكانت أحاديث المهدى المنتظر من الموضوعات الخطيرة التى دعا الناس إلى الإيمان بها حتى ولو لم ننتظروا المهدى المنتظر.

أورد الشيخ الألبانى فى كتابه: سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (4/ 38).

أورد احتجاجه بالمهدى المنتظر من خلال ثلاثة أحاديث ذكرها، الحديث الأول قال بلسانه أن أحد رواته كذاب، ثم عاد وقال: قد يصدق الكذوب، لأن الحديث جاء من طريقين آخرين فى المسند عند الإمام أحمد وفى المستدرك للحاكم النيسابورى، ثم حسن أو صحح الحديثين، ومن هنا كان الحديث الأول للكذاب صحيحاً.

قال الشيخ الألباني فى سلسلة الأحاديث الصحيحة: (1529 – ((لتملأن الأرض جورا وظلما، فإذا ملئت جورا وظلما، بعث الله رجلا مني،اسمه اسمي، فيملؤها قسطا وعدلا، كما ملئت جورا وظلما)).

أخرجه البزار (ص 236 – 237 – زوائد ابن حجر) وابن عدي في ” الكامل ” (129 / وأبو نعيم في ” أخبار أصبهان ” (2 / 165) عن داود بن المحبر حدثنا أبيالمحبر بن قحذم عن أبيه قحذم بن سليمان عن معاوية بن قرة عن أبيه مرفوعا.

وقال البزار: ” رواه معمر عن هارون عن معاوية بن قرة عن أبي الصديق عن أبي

سعيد، وداود وأبوه ضعيفان “. وكذا ضعفهما الهيثمي في ” المجمع ” (7 / 314)

فقال: ” رواه البزار والطبراني في ” الكبير ” و ” الأوسط ” من طريق داود بن المحبر بن قحذم عن أبيه، وكلاهما ضعيف “. كذا قال!

وأما في “زوائد البزار” فقد تعقب البزار بقوله عقب كلامه الذي نقلته آنفا: “قلت: بل داود كذاب”.

وأقول: هو كما قال، ولكن ألا يصدق فيه قوله صلى الله عليه وسلم في قصة شيطان أبي هريرة: ” صدقك وهو كذوب ” فإن هذا الحديث ثابت، عنه صلى الله عليه وسلم من طرق كثيرة عن جمع من الصحابة، منها طريق أبي الصديق التي أشار إليها البزار،

غاية ما في الأمر أن يكون داود بن المحبر كذب خطأ أو عمدا في إسناده الحديث إلى والد معاوية بن قرة فإن المحفوظ أنه من رواية معاوية بن قرة عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري به. هكذا أخرجه الحاكم (4 / 465) من طريق عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني حدثنا عمر (وفي ” تلخيص المستدرك “: عمرو) بن عبيد الله العدوي عن معاوية بن قرة عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري مرفوعا به أتم منه وقال: ” صحيح الإسناد “!

قلت: ورده الذهبي بقوله: ” قلت: سنده مظلم “. وكأنه يشير إلى جهالة العدوي هذا، فإني لم أجد من ترجمه، لا فيمن اسمه (عمر) ولا في (عمرو).

لكن رواية معمر عن هارون – وهو ابن رئاب – التي علقها البزار، تدل على أنه قد حفظه عن معاوية، وهذا هو الصواب الذي نقطع به لأن لمعاوية متابعات كثيرة بل هو عندي متواتر عن أبي الصديق عن أبي سعيد الخدري، أصحها طريقان عنه:

الأولى: عوف بن أبي جميلة حدثنا أبو الصديق الناجي عن أبي سعيد مرفوعا بلفظ:

” لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلما وجورا وعدوانا، ثم يخرج رجل من عترتي

أو من أهل بيتي يملؤها قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما وعدوانا “. أخرجه أحمد (3 / 36) وابن حبان (1880) والحاكم (4 / 557) وأبو نعيم في ” الحلية ” (3 / 101)،

وقال الحاكم:” صحيح على شرط الشيخين “. ووافقه الذهبي وهو كما قالا.).

(الألبانى:سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (4/ 38).

وخلاصة ماسبق من كلام الشيخ الألبانى ـ:
  • أن الحديث من طريق البزار كان ضعيفاً من الراوى الكذاب، ولكن قد يصدق الكذوب لأن الحديث جاء من طرق أخرى حسنة.
  • أن الحديث الثانى الذى رواه الحاكم فى المستدرك ضعيف لضعف عمرو بن عبيد الله العدوى، فهو مجهول، وقد وافقه الألبانى على ذلك لأنه بحث عنه ولم يستدل له على ترجمة فى كتب الجرح والتعديل.

ثم رجح الشيخ الألبانى صواب هذا الحديث – وإن كان ضعيف الإسناد – إلى أربعة طرق أخرى لهذا الحديث، جاءت الطرق الأخرى الصحيحة من وجهة نظره من المسند لأحمد بن حنبل، ومن صحيح ابن حبان، ومن الحاكم النسابورى فى المستدرك، ومن أبى نعيم فى الحلية. ونص الحديث: ((لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلما وجورا وعدوانا، ثم يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي يملؤها قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما وعدوانا)).

ونكشف عن ضعف هذ الحديث بضعف طرقه كلها، ونبدأ بطريق الإمام أحمد فى المسند، قال:

11223 – حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا مَطَرٌ، وَالْمُعَلَّى، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((تُمْلَأُ الْأَرْضُ ظُلْمًا وَجَوْرًا، ثُمَّ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِي يَمْلِكُ سَبْعًا – أَوْ تِسْعًا – فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا)). (2)

(أحمد بن حنبل: المسند ط الرسالة (17/ 321).

هذا الحديث ضعيف، فى إسناده كل من مطر والمعلى، وهما راويان ضعيفان.

جاء ضعف مطر عند ابن حجر فى كتاب تهذيب التهذيب، فقال:

(316- “خت م 4 – مطر بن طهمان الوراق، أبو رجاء الخراساني السلمي، مولى علي، سكن البصرة , روى عن أنس يقال مرسل، وروى عن عكرمة وعطاء…

قال أبو طالب عن أحمد: كان يحيى بن سعيد يضعف حديثه عن عطاء.

… كان يحيى بن سعيد يشبه حديث مطر الوراق بابن أبي ليلى في سوء الحفظ…

وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: صالح.

وقال أبو زرعة: صالح روايته عن أنس مرسلة لم يسمع منه.

وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: هو صالح الحديث

وقال النسائي ليس بالقوي

وقال ابن سعد: كان فيه ضعف في الحديث…).

(ابن حجر العسقلانى: تهذيب التهذيب ج10 ص167).

لم يقل واحد من هؤلاء النقاد بأنه ثقة، وكل أوصافه تدل على ضعفه فى الحديث.

أما الراوى الثانى الضعيف فهو المعلى بن زياد القردوسى، وقد ترجم له ابن عدى فى الكامل فى ضعفاء الرجال، فقال:

(1852- معلى بْن زياد البصري القردوسي، يُكَنَّى أَبَا الحسن… وكان شيخ القراديس.

حَدَّثَنَا علي بن أحمد، حَدَّثَنا ابن أبي مريم سألت يَحْيى عن معلى بْن زياد قَال: ليسَ بِشَيْءٍ، ولاَ يكتب حديثه… هو عندى: لا بأس به).

(ابن عدى: الكامل فى ضعفاء الرجال ج8 ص97 ط.الكتب العلمية بيروت 1997م.)

فالرجل ليس ثقة حتى نحتج بحديثه فى الأحكام.

وبذلك يكون هذا الحديث ضعيفاً لا يُحتج به عند من يخافون من الكذب على الله ورسوله بتصحيح أحاديث الضعفاء فى الأحكام.

أما الطريق الثانى الذى استشهد به الشيخ الألبانى؛ فقد رواه الحاكم النيسابورى فى المستدرك، فقال:

حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، وَعَلِيُّ بْنُ حَمْشَاذَ الْعَدْلُ، وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَالَوَيْهِ، قَالُوا: ثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى الْأَسَدِيُّ، ثَنَا هَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ، ثَنَا عَوْفُ بْنُ أَبِي جَمِيلَةَ، وَحَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الدَّارِمِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْإِمَامُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ عَوْفٍ، ثَنَا أَبُو الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُمْلَأَ الْأَرْضُ ظُلْمًا وَجَوْرًا وَعُدْوَانًا، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي مَنْ يَمْلَأَهَا قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا)).

هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ، وَالْحَدِيثُ الْمُفَسَّرُ بِذَلِكَ الطَّرِيقِ وَطُرُقُ حَدِيثِ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ عَلَى مَا أَصَّلْتُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ بِالِاحْتِجَاجِ بَأَخْبَارِ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ إِذْ هُوَ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ “

[التعليق – من تلخيص الذهبي] 8669 – على شرط البخاري ومسلم).

(الحاكم النيسابورى: المستدرك على الصحيحين حديث رقم 8669 ج4 ص600 ط.دار الكتب العلمية 1990م.).

ونحن نقول:هذا الحديث ضعيف، في إسناده؛ عوف المتشيع، وهو: عوف بن أبى جميلة الأعرابى

ترجم له ابن حجر وقال:

(302- “ع – عوف” بن أبي جميلة العبدي الهجري، أبو سهل البصري المعروف بالأعرابي، واسم أبي جميلة بندويه،ويقال بل بندويه اسم أمه واسم أبيه رزينة روى عن…

قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة صالح الحديث. وقال إسحاق بن منصور عن بن معين ثقة. وقال أبو حاتم صدوق صالح. وقال النسائي: ثقة ثبت… وقال محمد بن عبد الله الأنصاري: كان يقال عوف الصدوق. وقال بن سعد: كان ثقة كثير الحديث، قال (أى ابن سعد) وقال: بعضهم يرفع أمره أنه ليجيء عن الحسن بشيء ما يجيء به أحد (أى يأتى بالحديث الغريب الذى لم يسمعه أحد عن الحسن البصرى غيره). قال (أى ابن سعد): وكان يتشيع ومات سنة ست وأربعين ومائة. وقال أبو عاصم دخلنا عليه سنة 6 فقلنا كم أتى لك قال سنة وثمانون سنة قلت وقال ابن سعد عن محمد بن عبد الله الأنصاري كان أثبتهم جميعا…

وحكى العقيلي عن ابن المبارك قال: كانت فيه بدعتان؛ قدري شيعي. وقال الأنصاري: رأيت داود بن أبي هند يضرب عوفا ويقول: ويلك يا قدري. وقال في الميزان (أى الذهبى): قال بندار – وهو يقرأ لهم حديث عوف: لقد كان قدريا رافضيا شيطانا.

وقال مسلم في مقدمة صحيحه: وإذا وازنت بين الأقران؛ كابن عون وأيوب مع عوف وأشعث الحمراني – وهما صاحبا الحسن وابن سيرين – كما أن بن عون وأيوب صاحباهما؛ وجدت البون بينهما وبين هذين بعيدا؛ في كمال الفضل وصحة النقل، وإن كان عوف وأشعث غير مدفوعين عن صدق وأمانة.).

(ابن حجر العسقلانى: تهذيب التهذيب ج8 ص166 ط.دائرة المعارف النظامية بالهند 1226هـ.).

(وانظر ترجمته عند الذهبى ميزان الاعتدال (3/ 305) ط. دار المعرفة – بنفس ضعف الراوى).

  • وابن سعد هنا هو محمد ابن سعد؛ المحدث الناقد، رغم أنه قال بأن الراوى ثقة إلا أنه يتشيع
  • ابن المبارك هو عبد الله بن المبارك، وصف الراوى بالمبتدع: كانت فيه بدعتان؛ قدرى وشيعى. والقدرى هو يؤمن ببعض أصول المعتزلة علاوة على تشيعه.
  • بندار، وهو محدث ناقد: قال عن هذا الراوى: لقد كان قدرياً رافضياً شيطاناً. والرافضة هم غلاة الشيعة،، ولكنه زاد على ذلك بوصفه؛ شيطانا.
  • بيّن الإمام مسلم الفرق بين الراوى الثقة والصدوق؛ فى الصدق والأمانة والفضل وصحة النقل – والفضل هنا فضل العدالة والتقوى، وصحة النقل هنا يقصد بها الضبط والحفظ. فبيّن الإمام مسلم أن عوف أقل درجة فى العدالة والضبط من عون وأيوب الثقتان. وبناء عليه فإن وصف هذا الراوى فإن وصف “صدوق” أليق به من وصفه “ثقة”
  • فكيف يكون مثل هذا الراوى المبتدع الداعى إلى بدعته (باعتقاد المهدى المنتظر وهو من عقائد الشيعة) ثقة أو صدوقاً حتى نصدق حديثه فى المهدى المتظر؟ !
  • وقد اطلعت على الأحاديث التى رواها له البخارى فى صحيحه، فوجدته قد روى عنه أربعة أحاديث فى غير الأحكام – أى أحاديث ليس فيها صفة الوحى – حديث فى أجر متبع الجنازة بقيراطين (ويعتبره البخارى فى فضائل الأعمال، وفضائل عند البخارى يجوز فيها رواية الحديث الضعيف، بدليل أن كتاب الأدب المفرد به كثير من الأحاديث الضعيفة فى فضائل الأعمال وفى وصف أحوال الرسول). وحديث آخر عن مقدار الماء الذى اغتسلت به السيدة عائشة، وحديث آخر عند صحابى تخلف عن الصلاة أثناء السفرولم يجد ماء فنصحه رسول الله بالتيمم، وحديث آخر عن وصف أحوال الرسول بكراهته النوم قبل العشاء والحديث بعدها.
  • ومعنى ذلك أن الإمام البخارى تخير من أحاديث هذا الرجل، لم يأت بحديث فيه حكم شرعى فيه وحى من الله إلى رسوله، ولذلك فالإمام البخارى لم يعتبر هذا الراوى من الثقات، ولو كان كذلك عنده لروى له حديث المهدى المنتظر. ولكنه لم يفعل، بل تخير أفضل ماعند الرجل فى أحاديث أقل أهمية من أحاديث الوحى. فإن حديث المهدى هذا إن كان صحيحا فلابد أن يكون من وحى الله تعالى إلى رسوله.
  • وهذا هو الفارق بين البخارى والحاكم النيسابورى، الإمام البخارى رأى فى عوف بن أبى جميلة راوياً صدوقاُ صاحب بدعة، فتخير من أحاديثه بعضاً منها فى غير الأحكام. أما الحاكم النيسابورى فقد اعتبر الراوى ثقة، روى له البخارى، فاستدرك على البخارى أحاديث هذا الرجل التى لم يروها البخارى فرواها باعتبارها صحيحة مثل أحاديثه فى البخارى.
  • وقد سكت الإمام الذهبى عن تضعيف هذا الرجل وقد احتج به الجماعة، فلذلك هيبة فى نفس أى ناقد يرى غير ذلك، وإن كان لم يوثقه. أيضاً؛ الذهبى لم يصحح حديث الحاكم بل وافق على أنه على شرط الشيخين، أى روى الشيخان لهؤلاء الرواة الذين روى لهم الحاكم.

وخلاصة ذلك أن مثل هذا الراوى لا يُحتج بحديثه أصلاً، لأنه شيعى، شهد على تشيعه أكثر من محدث ناقد وهذا هو الأصل عند الإمام مالك.

وكان من أصول الإمام مالك تضعيف أى راو صاحب بدعة حتى لو كان صادقاً، ولكن الإمام الشافعى عدّل هذا الأصل بجعله ضعيفاً إذا دعا إلى بدعته، فأما إذا كان الراوى صاحب ميول خفيفة إلى بدعة لم تظهر إلى دعوة لبدعته (بترديد الأحاديث الضعيفة الواردة فى بدعته أو الانتصار بالرأى إلى بدعته) وكان من الثقات؛ قُبل حديثه.

وعوف فى هذا الحديث يدعو إلى المهدى المنتظر، وهى من عقائد غلاة الشيعة.

ولو كان المهدى المنتظر من عقائد أهل السنة لرأينا ذلك متواتراً عند الرواد الأوائل من مدرسة الحديث المتشددين فى رواية الحديث الصحيح عن الثقات فقط، ولوجدنا هذا الحديث مروياً عند مالك والشافعى وصحيح البخارى وصحيح مسلم.

وبناء على ماسبق فإن رد حديث عوف الشيعى فى المهدى المنتظر واجب على أصحاب الحديث جميعاً، لأنه ليس بصادق فى بدعته، وليس بثقة. خالف منهج أهل السنة، واتبع غير سبيل المؤمنين، فكيف يكون ثقة أو صدوقا فى أمر المهدى المنتظر ؟ !

قال الإمام ابن حجر العسقلانى وهو يدافع عن من روى لهم البخارى فى صحيحه من الرواة أهل البدع، وكان هذا الراوى واحداً منهم، قال: (فصل تمييز أسباب الطعن فى المذكورين، ومنه يتضح من يصلح منهم للاحتجاج، وهم على قسمين: الأول؛ من ضعفه بسبب الاعتقاد، وقد قدمنا حكمه وبينا فى ترجمة كل منهم أنه ــ: مالم يكن داعية،أو كان وتاب، أو اعتضدت روايته بمتابع، وهذا بيان مارموا به… والتشيع محبة علىّ وتقديمه على الصحابة فمن قدمه على أبى بكر وعمر فهو غال فى تشيعه، ويُطلق عله رافضى، فإن انضاف إلى ذلك السب أو التصريح بالبغض فغال فى الرفض وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا فأشد فى الغلو. والقدرية من يزعم أن الشر فعل العبد وحده…).

(ابن حجر العسقلانى: مقدمة صحيح البخارى؛هدى السارى شرح صحيح البخارى ص483 ط. الريان).

فالإمام ابن حجر هنا يقرر أن من روى لهم البخارى من أهل البدع يقبل حديثه مالم يكن داعية إلى بدعته، أو كان عليها ثم تاب عنها، أو أن للحديث متابع – أى طريق آخر للحديث.

وزيادة على ذلك إن كان الحديث فى فضائل الأعمال فالبخارى يرى جواز رواية الحديث الضعيف فى فضائل الأعمال (وإن كنا نخالفه فى هذا الأمر، وسنبين خطأ هذا الموضوع فى موضع آخر).

كما يقرر ابن حجر أن الراوى صاحب البدعة هو متهم بضعفه وبدعته فيرد حديثه مالم يندرج تحت الاستثناءات السالف ذكرها.

وخلاصة هذا كله أن هذا الحديث ضعيف الإسناد لضعف راويه عوف بن أبى جميلة، أخطأ فى رده الإمام الذهى، وأخطأ الحاكم النيسابورى والشيخ الألبانى فى تصحيحه.

ولهذا الموضوع بقية ضعف طرق أحاديث المهدى التى أشار إليها الشيخ الألبانى، نستكملها لاحقاً بإذن الله تعالى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى