آراءمقالات

في الذكرى الأولى لـ مؤتمر الشيشان.. إِظْهَارُ حَقٍ أَو انتِقَامُ حَاقِد (1)

Latest posts by عنتر فرحات (see all)

إذا ذُكِرَ التصوف فنحن نقصد سُمُوُّ النفس البشرية، وخروجها من القالب الإنسي الأرضى، وارتقائها إلى العالم الآخر(العلوي)، عالم الروح والملائكة، فتُجَسِّدُ وهي على الأرض كل صفات ملائكة الرحمان، وكأنك مع ملك يمشي على الأرض، وَلَسْتَ مع كَائِنٍ بَشَرِيٍ، كان هذا النموذج كثيرا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام، الذين سَمَتْ أرواحهم إلى العالم الملائكي، فلم يجعلوا لأنفسهم من نصيب في هذا العالم، وإذا رَسَخَتْ هذه المعاني في قلب الإنسان؛ فإنه يتجرد ويتخلى  عن كل ما هو سَلبي مِن صفات بشرية؛ وذلك لِسُمُوِّ روحه، وهذا النموذج كثيرا ما علمنا إياه صلى الله عليه وسلم، وأكبر مثال على ذلك يوم الفتح الأكبر، فتح مكة، وهو(صلى الله عليه وسلم) يُقابل مَن آذوه وأخرجوه من داره، فيكون رده: {اذهبوا فأنتم الطلقاء}، وقد سار الصحابة رضوان الله عليهم على هذا النهج، وقد تَبِعَتهم في ذلك القرون التي وُصِفَتْ بالخيرية.

إصابة الأمة بالوهن

وتمر على الأمة الإسلامية فترات أصيبت فيها بالوهن، ودخلها الضعف من كل جانب، حتى أصبحت أجزاء عزيزة من أراضيها تحت يد الصليبين، ثم يبعث الله عز وجل جِيلا جديدا يسترجع القدس من قبضة الصليبين، وقد أحدث الصليبيون في أهل المقدس أكبر مجازِرَ عرفتها البشرية (أكثر من سبعين ألف شهيد، حيث ساخت الأقدام في جثث المقدسين)، ويوم أن استرجع صلاح الدين القدس، ظن أهلها أنه لا محالة فاعلٌ بهم مافعلت جُيوشهم في المسلين الذين اعتصموا بالمسجد الأقصى، ولكن كان قُدْوَةُ صلاح الدين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، عَفْوٌ شَامل لكل سُكان القدس، والأمر كذلك مع السلطان محمد الفاتح لما أن مَنَّ الله عليه بفتح القسطنطينية، كانت هذه نماذج للسلوك الروحي الذي علمه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) للصحابة، وَوَرِثَه الصحابة ثمن بعدهم الأتباع، سُمُوُّ الروح وارتقاؤها إلى العالم الآخر، فيتغير تفكيرها، من البغض إلى الحب، وتترسخ الفطرة الإيمانية، بدل الانتقام العفو، وَتسمو الروح بالحب والوفاء لا بالمكر والحقد، كالذي نراه اليوم.

ولو نرجع منذ بداية نزول الوحي، وبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وجدنا الأمة مجتمعة على كلمة واحدة، وفرقة واحدة، والغاية واحدة، إلا أن جاءت فتنة الدار، ثم ما تَبِعها من أحداث، كان لها دور مباشر في ظهور بعض الفِرق المخالفة، وإذا تتبعنا كل فرقة ظهرت فإننا نجد أن أول أسبابها هو سبب خارجي، يعتمد فِكْرَةً، ثم يتغلغل في وسط المسلمين، ويرجع  ظهور هذه الفرق إلى سببين:

الأول:

مجموعات حاقدة على الدين، دخلت باسم الدين لِتَنْخَرَ فيه من الداخل، مثل السبئية.

الثاني:

طائفة لم تفهم المعنى الحقيقي للدين، وعدم فقهها لنصوصه، ما جعلها تخرج  عن جماعة المسلمين، مثل الخوارج؛ لذلك لما ذهب إليهم ابن عباس وأوضح لهم ما اسْتُشْكِل عليهم، رجع معه أَلْفَا رجلٍ منهم.

وفي هذه الفترة لم يكن التصوف (بمعناه الروحي) في مَعْزِلٍ عن الحياة، بل كان كل رجل مجاهد نهارا ورهبانا بالليل، إلا أن جاءت الخلافة الأموية، وانفتحت الدنيا على الناس، وكثر المال والبذخ، وصار الناس يفتخرون بالمطعم والملبس والمسكن، ما جعل بعض الصالحين لا تعجبهم هكذا حياة، وبدئوا يفضلون العُزلة، عن تلك الحياة الفارهة، ثم تأتي الخلافة العباسية، وكان العباسيون وخاصة في عهد أبو جعفر المنصور عكس الأمويين تماما، ضَيَّقَ على الناس، وحاصرهم، ماجعل العامة يلتجئون لمن هم في عُزْلةٍ عن الدنيا، ويطلبون منهم الدعاء والتخفيف على ما لحق بهم، ومن هنا بدأت بَوَاكِرُ التصوف تظهر جليا.

 ومع مجيء الخليفة المأمون وتغيير فكر الأمة، وذلك بأن جعل جَلَسَاءَه مِن المعتزلة،والذين كان أثرهم واضح في خلافته، وكان تأثره بهم نِقْمَةً ومِحْنَةً على الأمة الإسلامية، حيث أراد أن يقنع الناس بالفكر الاعتزالي، وهذا ما لم يقبله علماء المسلمين، وعلى رَأْسِهم الإمام أحمد رضي الله عنه، وكان كلما اشْتَدَّ الحال بالأمة، زاد توسع المدرسة الصوفية الأخلاقية؛ لأن كثيرا من الناس يَهرب من مجابهة الحاكم خوفا من جبروته وقهره، (كما فُعِلَ مع الإمام أحمد وقبله الإمام مالك وأبو حنيفة رضي الله عن الجميع)؛ فتطلب السلامة، وأن التفرغ للعبادة خير من الدخول في فتنة لا أحد يعلم نهايتها.

استمرار نفوذ المعتزلة

استمر نفوذ المعتزلة إلى أن جاء المتوكل وأنهى نفوذهم، إلا أن فكرهم تعمق ورسخ في أقطار من الأمة الإسلامية، وكان من بين من تأثر بهذا الفكر الإمام أبو الحسن الأشعري (260-324هـ)، إلا أنه تاب في آخر حياته، وبدأ ينقد المذهب والأفكار الاعتزالية بقوة، وبما أن المذهب الاعتزالي، كلامي (نظري)، فكان لا بد من مجابهته بوسائله، واحتاج الرد على المعتزلة إلى الفهم العميق للتفكير عندهم، وخاصة أنهم يقدمون العقل على النقل، ومن حينها أصبح مذهب أهل السنة هو ما وضعه الإمام أبو الحسن الأشعري، إلا أن ما كتبه ما يزال يحتاج إلى توضيح، على شاكلة (الموطأ والأم) في الفقه، كذلك مذهب أبي الحسن، إلا أن جاء الإمام أبو بكر الباقلاني (338-402هـ)، وبدأ يرتب مذهب الإمام أبي الحسن، ثم من بعده الإمام الحجة أبو حامد الغزالي (450-505هـ) وقبل الغزالي الأستاذ الأكبر الإمام أبو المعالي الجويني (419-478هـ)، فبعد لإمام الجويني والغزالي، أصبح المذهب الأشعري تَامًا، أو بمعنى آخر قدموا المذهب للأمة، وأصبح هو مذهب أهل السنة، لذلك لو نعمل استقراء للمكتبة الإسلامية فإن كل مَن ألفوا بعد الإمام الأشعري لم يخرجوا عن مذهبه في كل الأقطار الإسلامية، الأندلس، المغرب الكبير، مصر، الشام، العراق، اليمن، ومناطق من تركيا، وباقي البلاد كانت على مذهب الإمام أبي منصور الماتيريدي (333هـ).

يتبع.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى