آراءبحوث ودراسات

طارق فكري يكتب: التقارب الفكري بين الرسالة الإسلامية والحركة القومية

Latest posts by طارق فكري (see all)

حركات العمل الإسلامي والقومي تقوم على أفكار ومنهجية تنطلق من خلال محددات وعوامل اجتماعية ترقى لتكوين حركات عاملة تنهض بمجتمعاتها أو بالإنسانية عامة وعليه نتعرف على تلك الأفكار ومحدداتها وعواملها.

القومية حركة سياسية اجتماعية تحمل هما وحلما مشتركا تقوم على عوامل مشتركة مثل اللغة والآمال المشتركة وبعضهم قال الأصل والدين، وكثير من القوميين أخرج الدين ورفض وضعه كعامل مشترك يحدد مفردات الفكر القومي.

هنا عندما نتكلم عن الفكرة الإسلامية لا نتكلم عنها بتفاصيلها الدقيقة إنما نخص الحضارة الإسلامية عامة كتاريخ وهوية من حيث موقعها من الفكر القومي وهل هي تمثل ركن من أركان القومية أم هناك نوع من التضاد الفكري بينهما.

يثبت لنا التاريخ أن الحضارات بُنيت على أساس ديني قبل ظهور عصر القوميات، حيث نشأت القومية في أوربا في القرن الثامن عشر،واحتلت دوراً بارزاً في الفكر السياسي منذ الثورة الفرنسية 1789م، في حين تأخر دورها في الشرق حتى منتصف القرن التاسع عشر، وامتد تأثيرها إلى الوطن العربي في الربع الأخير من القرن المنصرم، معلناً يقظة قومية عربية (الموسوعة العربية) والحركة القومية العربية بقيادة تحالف عام 1916، الذي ضمّ الشريف حسين وبعض البرجوازيين الصغار، وقد أخفق هذا التحالف بسبب اتفاق قيادته مع بريطانيا، وكذلك نيل بعض الأقطار استقلالها. ثم كان قيام حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي مهّد له زكي الأرسوزي عام 1940، بدعوته إلى تأليف حزب عربي قومي شعاره بعث الأمة العربية ووحدتها، صاغ منطلقاته النظرية وقواعده البناءة في كتابه الأول «العبقرية العربية في لسانها». ثم حدث انفجار الثورة في مصر، سنة1952، ومع ذلك فإن الوحدة القومية لم تتحقق على الرغم من التأييد الشعبي الذي حظي به جمال عبد الناصر في حياته وما يبرهن على ذلك فشل الوحدة العربية وانفصال السودان.

القومية العربية فكرة ذات حركة حديثة نشأت وليدة في قلب الوطن العربي الذي لم يرق لدولة المؤسسات ولم يخرج من تبعيته لقوتي الفرس والروم إلا بنزول الوحي وتأسيس الدولة الإسلامية بالمدينة وما تبعها من موجات المد الإسلامي في الوطن العربي وتفتيت القوتين العظمتين وقتها.

القومية العربية أحد أطوار التكوين المجتمعي للأمة الإسلامية بل هي الركيزة التي بني الإسلام عليها إمبراطوريته عبر التاريخ القديم والمعاصر، الأمة العربية كانت قبائل متشرذمة متقاتلة يتبع بعضها لكسرى وبعضها لقيصر فأتى الإسلام ليصنع لهم دولة وخلافة عربية إسلامية قادت العالم كله، بل ذهب المشرع الإسلامي أن جعل الخلافة في كل عربي قرشي بنص حديث النبي فجماهير أهل العلم على أن خليفة المسلمين يجب أن يكون من قريش، بل حكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك، لقول الرسول، صلى الله عليه وسلم: الأئمة من قريش. رواه أحمد، وقوله، صلى الله عليه وسلم: الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم. متفق عليه، عندما ينزل الوحي بلسان عربي مبين على رسول عربي أصيل في النسب العربي فهذه دلالة على أن الإسلام يمثل السقف الحضاري والتاريخي والمعرفي للقومية العربية وهو أحد روافدها التراثية.

اتخذ أرباب القومية العربية وروادها من الفكرة الإسلامية موقف الخصم الذي يرى فيها خطرا يُهدد الفكرة والحركة (القومية) لما تحمله الفكرة الإسلامية من شمول تعدى الطور القومي العربي ليمتد للإنسانية جميعها، وساعد على ذلك رفض كثير من المفكرين والمصلحين الإسلاميين لفكرة القومية العربية، حيث كان هذا الرفض مرتبط بفترة زمنية تواجه إقصاء العالم العربي عن امتداده الإسلامي، في حين أن البعض رحب بها بضوابط مثل أبو الأعلى المودودي قال عن علاقة الانتماء القومية (أما القومية فان أريد بها الجنسية فهي أمر فطري لا نعارضه، وكذلك أن أريد به انتصار الفرد لشعبه فنحن لا نعارضها، كذلك إذا كان هذا الحب لا يعني معنى العصبية القومية العمياء التي تجعل الفرد يحتقر الشعوب الأخرى، وينحاز إلى شعبه في الحق والباطل على السواء، وأن أريد بها مبدأ الاستقلال القومي فهو هدف سليم، كذلك من حق كل شعب أن يقود بلاده ويتولى تدبير شئون بلاده ) (أبو الأعلى المودودي، الإسلام والمدنية،القاهرة، 1987، ص25-26).

– لم تنجح الحركة الإسلامية في إحداث حالة من الدمج والتزواج بين الفكرتين القومية والإسلامية اللتين لا تضاد فيهما، بل توافق وتلازم بين كل منهما والآخر، فالإخوان المسلمين رغم ما يملكونه من أدوات فكرية وإمكانيات علمية وحركية لم ينجحوا في صياغة الفكرة الإسلامية في طورها التكويني المجتمعي والتاريخي القومي، بل ظهروا بمظهر المعادي لها وللشاعر الإخواني أبياته :

ولست أرى سوي الإسلام لي وطنا ::: الشام فيه وبلاد النيل سيان

وكلما ذكر اسم الله في بلد ::: عددت أرجاءه من لب أوطاني

شهدت النشأة التكوينية للإخوان صراعا ضاريا مع القوميين؛ فكان لها انطباعا سلبيا تجاه فكرة القومية، فتبلورت رؤيتهم نحو رفض القومية منحصرين في التوقيت الزمني والمكاني والشخصي للصراع القومي الإسلامي، وترسخ لدى جماهير الإخوان رفض القومية العربية مع أن الشيخ البنا، رحمه الله، كان له كلامٌ مخالفٌ لما عليه الإخوان وقد جاء رأي الشيخ البنا في خطابه الذي ألقاه في المؤتمر الدوري الخامس للإخوان والذي انعقد سنة 1938،وفي هذا الخطاب يقول الشيخ حسن البنا «إن الإسلام الحنيف نشأ عربيا، ووصل إلى الأمم عن طريق العرب، وجاء كتابه الكريم بلسان عربي مبين، وتوحدت الأمم باسمه على هذا اللسان يوم كان المسلمون مسلمين، وقد جاء في الأثر (إذا ذل العرب ذل الإسلام) والأثر هو (السنة الباقية أو ما بقي من آراء السابقين وحكومتهم) وقد تحقق هذا المعنى حين زال سلطان العرب السياسي، وانتقل الأمر من أيديهم إلى غيرهم من الأعاجم والديلم ومن إليهم، فالعرب هم عصبة الإسلام وحراسه، وأحب هنا أن أنبه إلى أن الإخوان المسلمين يعتبرون العروبة كما عرفها النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه ابن كثير عن معاذ بن جبل رضي الله عنه (ألا إن العربية هي اللسان) ومن هنا كانت وحدة العرب أمرا لا بد منه لإعادة مجد الإسلام وإقامة دولته وإعزاز سلطانه، ومن هنا وجب على كل مسلم أن يعمل لإحياء الوحدة العربية وتأييدها ومناصرتها، وهذا هو موقف الإخوان المسلمين من الوحدة العربية».

– يقول الشيخ حسن البنا «وضح إذن أن الإخوان المسلمين يحترمون قوميتهم الخاصة باعتبارها الأساس الأول للنهوض المنشود، ولا يرون بأسا بأن يعمل كل إنسان لوطنه وان يقدم الوطن على سواه، ثم هم بعد ذلك يؤيدون الوحدة العربية باعتبارها الحلقة الثانية في النهوض ثم هم يعملون للجامعة الإسلامية باعتبارها السياج الكامل للوطن الإسلامي العام، ولي أن أقول بعد هذا إن الإخوان يريدون الخير للعالم كله، فهم ينادون بالوحدة العالمية، لان هذا هو مرمى الإسلام وهدفه، وهو معنى قول الله تبارك وتعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وأنا في غنى بعد هذا البيان عن أن أقول إنه لا تعارض بين هذه الوحدات بهذا الاعتبار، وبأن كلا منها تشد أزر الأخرى وتحقق الغاية منها. فإذا أراد أقوام أن يتخذوا من المناداة بالقومية الخاصة سلاحا يميت الشعور بما عداها فالإخوان المسلمون ليسوا معهم ولعل ذلك هو الفارق بيننا وبين كثير من الناس» المصدر كتاب الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر» للدكتور محمد محمد حسين ص 15 و16 ـ الجزء الأول».

– ما يُفهم من كلام الشيخ البنا مع واقع الإخوان تجاه القومية، يُبين أن كلام الشيخ رأي نظري لم يوضع في قالب حركي أو فكري يثير الانتماء القومي وهذا يذكرنا بقول الأستاذ مهدي عاكف وهو مرشد للإخوان ما المانع أن يحكم مصر ماليزي، ومثل هذه التصريحات تفصح عن موقف الجماعة تجاه القومية ورفضهم حصر أنفسهم في إطار يُخالف العالمية وامتداد دعوتهم، وإن كنت لا أرى في ذلك تعارض، بل كان من الإمكان إحداث حالة من التوافق والتآلف بين القومية وعالمية الدعوة.

– تأصل مفهوم نبذ القومية لدى معتنقي الفكر الإسلامي بمعناه الشمولي وخاصة العاملين منهم بالسياسة.

– نبذ القوميون ارتباط القومية بالإسلام كرسالة حيث نشأت القومية العربية لمواجهة ومحاربة الخلافة العثمانية مع حلول الطورانية التركية أو القومية المتعصبة، فكان أولى بالقوميين العرب أن يطمحوا أن تكون الخلافة عربية إسلامية بدلا من زوالها وأفول نجمها، أم أنها الأيادي البريطانية وصفقات الشريف حسين الهاشمي على رأسها الذي استقل ببلاد الحجاز عن الخلافة العثمانية الإسلامية بمقصده إسقاط الخلافة، بعدها تتابع إعلان الجمهوريات كحاضنة وحامية للقومية، ولكن ما لبثت أن تحولت لديكتاتوريات تمردت باسم القومية على الديمقراطية وهذا ما ظهر جليا في صراع عبد الناصر مع محمد نجيب.

– كان أولى بالقوميين أن يتخذوا من الإسلام مرجعية حضارية بدلا من تسولهم على الشيوعية كمذهب اقتصادي واعتمادهم على الليبرالية في أُطر الحريات، فالإسلام تاريخ ورسالة مرت بأرضنا وحملها العرب وقادت بها العروبة العالم كله فلما لا نتخذها سقفا حضاريا وثقافيا.

– القوميون ينكرون على الإسلاميين العرب الاستغراق في علاقاتهم بالامتداد الإسلامي في حين أن القوميين غارقون مع إيران كقومية فارسية ومذهب شيعي نقيض وخصيم ومنافس للقومية العربية وللمذهب السُني المتأصل النابت في مخضن العروبة ومهد الرسالة.

– يجب أن ينتهج الإسلاميون منهجية تبرز انتمائهم القومي المتوافق مع هويتهم وفكرتهم الإسلامية فلو فعلوا ذلك لحققوا مقصود الرسالة ولنالوا الرضا الشعبي من شرائح شعبية شوهت القومية المتجردة عندهم الوجه المشرق للفكرة الإسلامية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى