آراءمقالات

تونس والهروب من الفشل

Latest posts by عنتر فرحات (see all)

مَاجَتِ الأَقلام، واضْطَرَبت آراء مَن يُسمون أنفسهم مصلحين، ضِد الفتوى التي صدرت في تونس، ضِدَّ مَعْلُومٍ مِن الدِّين بالضرُورَةِ.

ولكن ما نَسيه هؤلاء أن تلك الصيحات، وتلك الأقلام التي ستهاجم المفتي في تونس، أو أقلام المفكرين التي ستنتقد الرئيس العجوز -السبسي-، أو فتاوى التكفير التي ستخرج من أقبية المخابرات باسم التيار الجهادي ضد السبسي، ومن أفتى جاهزة.

مَتَى يَعِي المفكر أو الداعية الإسلامي، أو الشباب المتحمس أن كل جَرَّةَ قَلَمٍ، أو كلمة تنطق ضد السبسي، ومن أفتى له هي في مصلحة السبسي أولا وأخيرا.

يكفي السبسي أنه من رجال نظام بن علي، ثم من جاء به إلى السلطة أليست الثورة المضادة؛ فأين العجب إذًا، إذْ كان يتوجب عليه أولا أن يسجن أقل شيء عشرون ألفا، فهو مشكور؛ لأنه لم يفعل هذا، أو أن حماس الربيع العربي الملتهب في بعض الأقلية جعلته يتريث، حتى حين.

الأهم من هذا أنه أيام سُلِّمت تونس للثورة، وكانت النهضة على رأس الحكومة، كان من أكبر المنتقدين لأداء تلك الحكومة المشتركة (الترويكا)، وهو مع حزب (نداء تونس) مَن قاد الثورة المضادة، وكان يُحَمِّل الحكومة المسئولية المطلقة عن الفشل الذي ضرب الدولة، والذي تَسَبَّبَتْ فيه حقيقةً الدولة العميقة، والتي هو أحد رجالها.

المهم تنجح الثورة المضادة في هذه الجَولَةِ، وتُسَلَّمُ الدولة للسبسي، ولكن كالمعتاد، وعود خيالية، وجَنة على الأرض، ولكن الحقيقة والواقع -الانجازات الصفرية-، وإن كان قبل الثورة لا يستطيع أحد أن يُحاسب أو مجرد أن يفكر في أن يسأل، أين ما وعدتم به، فَإِنَّ بَقِيَّةَ حَمَاسٍ من الثورة تجعل الرئيس تحت المساءلة، أين تلك الوعود التي جعلتنا نَتَنَكَّرُ للثورة، ونقبل بكم بديلا عن تكتلها، وإن كان الجواب على أرض الواقع مستحيلًا، وأن الرئيس لا ولن يَسْلمَ هذه المرة، وخاصة بعد فشل الانقلاب في تركيا، ثم حصار قطر، وظهور رِجال ودُوَل الثَّورَةِ المُضَّادةِ عَلَنًا، فَلا محالة سوف يقع على كاهل الرئيس الثمانيني حمل ليس بمقدوره أن يتحمله، إضافة إلى الفشل الذي تعيشه البلاد، ثم هل عليه أن ينضم لحلف الحصار الذي أيده بقوة من أجل الوصول إلى السلطة، وهذا يعني تصادم مباشر مع الشعب التونسي، أو أن يختار قطر، التي تدعم الثورات العربية، وإن كان اختار الحياد، لأن الأمر أصعب مما يتخيله أي إنسان، لأن الضغوط الشعبية التي ستنزل عليه لا محالة قاصمة ظهره (العزل أو الاستقالة)، وأنَّ مَدًّا ثَوْرِيًّا جديدا في تونس ليس ببعيد، ولا شيء لإرضاء هذا المد إلا التضحية بالرجل الثمانيني، كما فُعِل بسابقه -بن علي-.

فكان لا بد لهذا الرجل مَن مَخرج، وأن يجعل الناس، تتلهى عن مطالبته بالانجازات التي وعد بها، وأن يشغل الرأي العام بأمر أكثر حساسية، يجعل الناس ينسون كل مطالبهم، والمطالبة فقط بالرجوع عن هذا الأمر.

لذلك وسائل السلطان جاهزة، وأكبر شيء يحرك الشارع العربي -الدين والعرض-، فجاء بأحد كهنته، كعادة الأنظمة العربية، ووضع يده على عَصَبٍ حساسٍ في المجتمع التونسي المسلم، (المساواة في الميراث، والزواج من غير المسلم).

مهما يكن من أمرٍ، فمن المستحيل التونسية أن تتزوج من غير مسلم، وإن أمرت الدولة بذلك، باستثناء أبناء الدولة العميقة، أي أصحاب أو وكلاء الاستعمار في الدولة، وهذا ما رأيناه في تونس والجزائر مثلا، مَن تتزوج مِن غير المسلم أو العكس، إلا هذه الفئة المجرمة، التي همها خدمة مصالح الاستعمار في تونس، أي أنهلا خوف على الشعب التونسي من هذا الأمر.

ثم أمر الميراث، الحمد لله دول المغرب العربي، تعظم هذه الشعيرة أي تعظيم، ومن القليل، بل من النادر أن تجد أسرة ذهبت للمحكمة من أجل تقسيم التركة، لأن غالبية بل الأكثرية من يقوم بهذا هم أئمة المساجد، إلا أرباب الشركات الكبرى، المبنية أساسا على اختلاسات كبيرة من أموال الشعب، ولا نريد تفصيلا في ذلك.

فالعائلات المسلمة ليست في حاجة لمثل هذا القانون، لأن الغالبية فقراء، وليس لديهم ما يورثون، ومَن رَزقهم الله سَعة في الرزق، فالتركة توزع في العائلة وبحضور إمام المسجد.

أما من يذهب للمحاكم فأكثرهم مثلما قلنا من أصحاب الاختلاسات، فأصل أموالهم حرام، سواء أخذت النصف أو الكل، هي أو هو يعلم أنه مال حرام، فلا يهمنا من أخذه، وما المقدار الذي سيأخذه كل منهما.

المهم أن الرئيس وبحيلة ذكية استطاع أن يلهيَ الناس عن مطالبته، أو محاسبته عن الفساد الذي يزداد تغلغلا في تونس، فخير طريق يستطيع الهروب منه هو هذا التشريع، وإن خرج الآن حراك فسيكون مطلبه إلغاء هذا القرار، ثم يوافق الرئيس عليه، ويقول للشعب، نحن الديمقراطية، وقد استجبت لمطالبكم باسم الشعب والديمقراطية، وينسى الشعب أن محاسبة الرئيس عن الفساد الذي ينخر تونس؛ لأن الرئيس رجل ديمقراطي، وقد استجاب للحراك الشعبي في تونس.

ومعلوم الحراك كله إسلامي، فلا محالة التيار الليبرالي ستكون له ردة فعل، كيف استجبتم للحراك الإسلامي نحن كذلك لنا مطالبنا.

فالرئيس عن طريق إعلامه يستنجد بالإسلاميين ضد العلمانيين، الذين يريدون أن ينتقموا من الرئيس، الذي استجاب مشكورا لمطالب الإسلاميين؛ ثم ينشغل الإسلاميون بالعلمانيين، وينعم الرئيس والدولة العميقة بثروة تونس.

وتبقى البلاد والمواطن هما الضحية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى