الأمة الثقافية

قرأتُ لك: “عربي جوبا”.. من لغات جنوب السودان

اللغة في جوبا عاصمة جنوب السودان.. يسميها السكان المحليون هناك: “عربي جوبا”، فيما يعتبرها اللغويون لهجة هجينة تمزج بين اللغة العربية واللغات الأفريقية المحلية.

ويقول أهل اللغة إنها نشأت منذ القرن الـ19 إبان الحكم المصري التركي للسودان، لكنها باتت لغة التواصل اليومي في الشارع والأسواق والمحلات العامة بين أغلب مكونات جنوب السودان المتباينة إثنيا.

جاء الاسم “عربي جوبا” من ارتباطها بعاصمة جنوب السودان مدينة (جوبا)، التي تعد أكبر مدن الجنوب وأهمها وترتبط بدول شرق أفريقيا، زائير وأوغندا وكينيا.

وترتبط هذه اللغة أيضاً بقبيلة “الباري”، وهم السكان الأصليون لهذه المنطقة، كما تضم في تعبيراتها العديد من مفردات لغة هذه المجموعة.

ورغم أنها ارتبطت بجغرافيا محدودة فإنها أصبحت الرابط اللغوي الوحيد لجميع قبائل الجنوب، وأصبحت اللغة المستعملة في الحياة اليومية وفي الجيش، نظرا لقلة العارفين باللغة الإنجليزية.

وقد أسهم “الجلابة”، وهم مجموعة التجار المصربين والسوريين والتجار الشماليين الذين وفدوا إلى الجنوب، في نشر اللغة العربية في غمرة تحقيق الأغراض التجارية باعتبارها وسيلة تخاطب مرنة ساعدت في التواصل المفيد بينهم وبين العناصر المستهدفة.

يقول الدكتور بول دينق، الباحث والأكاديمي الجنوب سوداني في رسالته للدكتوراه عن عربي جوبا: “لا شك أننا لاحظنا عند استعراض سواكن عربية جوبا أنها اللغة التي احتكت بالعربية وتفاعلت معها تأثيراً وتأثراً على امتداد مساحة الأرض التي تقطنها قبيلة الباري في المنطقة الاستوائية”.

رغم أن دستور جمهورية جنوب السودان ينص على استخدام الإنجليزية كلغة رسمية للدولة، فإن معظم وسائل الإعلام المرئية والمسموعة مثل الإذاعات الخاصة والتلفزيون الرسمي تستخدم “عربي جوبا” في أغلب برامجها ونشراتها الإخبارية.

يقول بيتر جيمس، الباحث المهتم بقضايا اللغة والثقافة بجنوب السودان، إن “استخدام عربي جوبا في وسائل الإعلام يبدو مفيدا بالنسبة للمستمع في جوبا المدينة، لكن قد لا يفهمها سكان الولايات الأخرى في جنوب السودان، وهناك نسخة مستحدثة من عربي جوبا يتداولها جميع سكان جنوب السودان”.

تكتب لغة عربي جوبا بالحروف اللاتينية في معظم نصوصها الموجودة، وربما يعود هذا للجهود التي بذلها بعض الأكاديميين الجنوبيين في سبعينيات القرن الماضي عندما أسسوا معهد الدراسات الصيفية، الذي كان مهتما بكيفية تطوير عربي جوبا كلغة متداولة في المنطقة الاستوائية، أسوة ببقية اللغات المكتوبة لمجموعات جنوب السودان، التي تم تدوينها بالحرف اللاتيني.

كما تمت طباعة قاموس خاص بها لترجمة معانيها بالإنجليزية، حيث درجت الكنيسة إلى كتابة التراتيل الدينية بلغة عربي جوبا وبحروف لاتينية، لكنها انتشرت أكثر عن طريق التداول الشفهي، لكون أغلب المتعاملين بها لا يجيدون الكتابة أو القراءة بالذات في المناطق الريفية، وربما تكون بذلك اللهجة العربية الوحيدة المكتوبة بحروف لاتينية.

يقول نيكولا فرانكو، وهو كاتب سيناريو ومسرحي وإذاعي من جنوب السودان، يكتب أعماله المسرحية بعربي جوبا، لـ”العين الإخبارية”: “عربي جوبا لغة يسمعها غالبية الناس هنا، لأن جوبا عبارة عن جنوب مصغر، هذه اللغة يمكن أن تتطور وتصبح لغة قومية، ونلجأ إلى الكتابة بعربي جوبا، لكونها لغة جميلة ومضحكة، إنها لغة سهلة بالنسبة للممثل”.

وعن تجربة المشاركة بمهرجان شكسبير في لندن خلال أبريل 2011، بمسرحية سمبلين للكاتب وليم شكسبير، التي تمت ترجمتها وتقديمها بعربي جوبا يقول فرانكو: “التجربة كانت خيالية، قدمنا مسرحية عالمية بعربي جوبا لجمهور لا يتحدث بها ولا يفهمها، ترجمنا النص لعربي جوبا لأنها لغة بسيطة ومربوطة بحركة الجسد، وقد فوجئ الجمهور في لندن بذلك، حيث أحرزنا المركز الثاني بمهرجان جلوب العالمي”.

وترى القاصة والكاتبة الصحفية والطبيبة الصيدلانية استيلا قايتانو أن عربي جوبا لغة معروفة، لكنها تتركز في المنطقة الاستوائية الكبرى، التي تضم الولايات الاستوائية الوسطى، شرق الاستوائية وغرب الاستوائية، “لكنها تتفرع إلى درجات منها ما هو عميق يستخدمه المحليون من سكان المنطقة، وهناك آخر خفيف اختلط بالدارجة السودانية، وعربي جوبا وسيط بيننا كجنوبيين نحمل عدة لغات، وهو مهم للتواصل بين مكونات البلد الثقافية”.

وعن تجربتها في استخدام عربي جوبا في كتاباتها الصحفية وأعمالها القصصية، تقول قايتانو: “استخدمت عربي جوبا في كتاباتي القصصية، وكان لذلك نكهة خاصة، ودائما أضع في اعتباري المتلقي البعيد الذي قد لا يفهم المقصود من كلامي، لذا أقوم بتفسير الكلام بعربية فصحى بين قوسين”.

وأضافت: “حاليا أستخدم عربي جوبا في المجال الصحي (مجال الدواء) في شرح بعض الأمور للعاملين في المجال الطبي من غير دارسي الطب، حيث أشرح لهم المعاني العلمية بعربي جوبا”.

ودعا الكاتب والأكاديمي المعروف في جنوب السودان, البروفيسور تابان لوليونق في وقت سابق, إلى أن تكون لهجة (جوبا العربية) هي اللغة أو اللهجة المشتركة في جنوب السودان، موضحا أن “عربي جوبا” هو إحدى اللغات الأفريقية، التي يسهل تعلمها بالإضافة إلى أنها عامل للتوحيد الثقافي.

وقال لوليونق إن ما يتعين علينا القيام به هو ضخها وحقنها بكلمات فلسفية ومصطلحات ومفاهيم فنية جادة، فهي لغة مثيرة، مشيرا إلى أن “جوبا العربية” لديها بالفعل قاموس مكتوب باستخدام الأبجدية الرومانية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى