الأمة الثقافية

قرأتُ لك: من النَّحو إلى النَّحويَّة!

النحو العربي

 

قال صاحبي اللَّدود (ابن أبي الآفاق التراثي)، وهو يناقرني في شأن النَّحو العَرَبي:

– كثيرًا ما كان ينشغل (ابن هشام، عبدالله بن جمال الدِّين الأنصاري، -761هـ= 1360م)، على سبيل النموذج، في “شذور الذهب”، عن شرح مسائل النَّحو لتسهيلها على المتلقِّي، ليشرح لنا مسائل من تأليفه هو؛ بمنهاج “قلتُ”، يعني في “شذور الذهب”، و”أقول”، يعني في “شرح شذور الذهب”!

– جزاه الله خيرًا! يُبهِم في المتن لكي يُعجِم في الشرح! واحدة بواحدة!

– ومن قال لك، يا ابن الهواشم، أن تقول لتشرح لنا ما قلت؟ إنَّما كان المطلوب شرح كلام العَرَب، لا كلامك المصنوع. وهذا يعني أن الوسيلة، وهي قواعد اللُّغَة، قد صارت لدَى هؤلاء غاية؛ حتى إنَّه لا يصحُّ القول هنا إنَّه قدَّم العَرَبة على الحصان؛ بل إنَّه قد نسي العَرَبة والعَرَبيَّة، وجعل يتغزَّل في جمال الحصان الخشبي الذي ابتدعه، ويصف شِياته!

– ألذلك قد يبدو الشرح لديه، في “شرح الشذور”، أعوص في بعض المسائل من المتن، الذي ألَّفه بنفسه، تحت عنوان “شذور الذهب”.

– أحسبه كذلك. ولو اكتفى بالمتن لكفى وشفى وأبان.

– هيهات؛ وإلَّا ما بقيت للنحويِّ حِرفة!

– صدقت. لقد قَعَدَ القوم منشغلين بالقواعد أكثر من اللُّغَة، وقدَّموا القاعدة على النص؛ حتى أصبحت القاعدة مدار الاهتمام لديهم والتأمُّل، لا النص.

– أيُّ نصٍّ، وشواهدهم مجتزأة، وشِعريَّة غالبًا؟

– بل إنَّهم متَّهمون في هذا أحيانًا بصناعة الشاهد من أجل القاعدة. وما خرج من هذه العمليَّة المقلوبة إلَّا قِلَّة منهم، إنْ وُجِدوا.

– تُعَيِّرُنا أَنَّا قَليلٌ عَديدُنا … فَقُلتُ لَها إِنَّ الكِرامَ قَليلُ!

مثل مَن؟

– مثل الأخ (عبد القاهر الجرجاني، -471هـ= 1009م)! وهو نحويٌّ، ولكن بفهمٍ راقٍ للنحو والنَّحويَّة؛ حتى إنَّه ليُحدِّثك عن “النَّظْم” على “المعاني النَّحويَّة” على غرار ما يمكن أن يحدِّثك به التفكيكي (جاك دريدا Jacques Derrida، -2004) عن مفهوم “النَّحويَّة”، De la grammatologie، المتعلِّق لديه بما يسمِّيه “عِلم الكتابة”، لا على غرار ابن هشام وأضرابه.

– وشتَّان بين المذهبين!

– والسبب أن القوم أصرُّوا على صناعة “عِلْمٍ” قاعديٍّ صُلب، لا قِبَل لهم به؛ من حيث إنَّ اللُّغات أوسع من القواعد المتحجِّرة، وأكثر تأبِّيًا، وما كلُّ ما فيها قابلٌ للتعليل المنطقي، قبولَ القضايا العِلْميَّة البحتة.

– على افتراض أن هذه قابلةٌ لذلك بصورةٍ مطلقة.

– ولذا لعلَّه ليس للُغةٍ في العالم عِلْمٌ واسعٌ جِدًّا يكلَّف به طلبة المدارس والجامعات اسمه (عِلْم النَّحو)، كما اصطُنِع للعَرَبيَّة، وإنَّما ثمَّة قواعد مدرسيَّة يتعلَّمها الطالب، ويفرغ منها مبكِّرًا، ليسعى في مناكبها. ولا أقسام، قائمة بذاتها، كما لدينا في بعض الجامعات (فقط للنحو والصرف). ولا متخصِّصٌ يُنفِق حياته فقط في هذا الحقل. غير أنَّ هناك دراساتٍ لُغويَّة مختلفة، صوتيَّة، ولسانيَّة عامَّة، أنتجتْ وأثمرتْ؛ لأنها خرجتْ من حِرفة (جَمَل المعصارة النَّحوي)، الذي ما زال- وما بَرِح وما انفكَّ- يدور مذ ألف عام. حتى إنَّ جهود عبد القاهر الخارجة على قواعد (المعصارة) لم يلتفت إليها العَرَب حقَّ الالتفات إلَّا حديثًا؛ إذ لفتَهم إليها بعض المستشرقين. ليكتشفوا أخيرًا أنَّه كان يمكن أن تخدم الفِكرَ اللُّغويَّ العَرَبيَّ على نحوٍ أكثر جدوى وأكبر إعمارًا وإضافة، بل وسهولةً وجمالًا، من مدرسة النَّحو التقليديَّة، لو أُخِذ بمنهج عبد القاهر، وبُنِيَ عليه وطُوِّر.

– وهكذا ظلُّوا مغرمين بصناعة المتون، ثمَّ شرحها، والتحشيَّة عليها.

– نعم. واستمر ذلك إلى العصر الحديث، وفي النَّحو وفي الصرف معًا، وصولًا في الأخير إلى كتابٍ “شذا العَرْف في فَنِّ الصرف”، لـ(أحمد الحامولي).

– “فَن”؟ جميل هذا المصطلح.ش

– هم تارةً يسمُّونه (عِلمًا)، وتارةً (فنًّا)، في أريحيَّة اصطلاحيَّة. متفنِّنين في هذه المصطلحات: “فَن” و”عِلم”.

– وا أسفا عليه! ظننته قد صار فَنًّا حقًّا. لكن لماذا يفعلون ذلك؟

– لأسباب دعائيَّة، كتفنُّنهم في ألقاب المؤلِّفين، ولا سيما استعمال لقب “إمام”؛ لإضفاء هالة دِينيَّة، لا في مجال الدِّين، ولا لدَى الإماميَّة فحسب، بل لدَى الجميع كذلك، تجد هذه الإماميَّة في علوم اللُّغَة، والتفسير، والتاريخ.. إلخ.

– وربما كانت لذاك، إلى الجانب الدعائي، غاية تقديسيَّة- لا عِلْميَّة- تحوط صاحبها بحراسةٍ من العَين، ومن اللَّمس أو الاقتراب! فضلًا عن النقد، أو حتى التفكير في ما يقول، والعياذ بالله!

– ربما، وربَّتما.. وما جُعِل الإمام إلَّا ليُؤتَمَّ به في صمت! حتى وصلنا إلى ما يُدعَى: الإمام الأعظم، أو الإمام الأكبر.

– وهذا إمام الأئمة، طبعًا!

– طبعًا. ولم تكن تلك بمراتب عِلميَّة، وإنْ عُلِّقتْ من ذاك بسبب، لكنها مستمدَّة من منبعها ذي الطابع العاطفي التبجيلي المبالغ فيه. ومعلومٌ أن هذا لم يكن لدَى الصدر الأوَّل، وإنَّما هو مولَّدٌ في العصور المتأخِّرة، وعن تقليدٍ لأصحاب الثقافات والدِّيانات الأخرى. وتلك قضيَّةٌ أخرى. أمَّا القضيَّة الأولى والأخيرة، فصعوبة المتون، لأنها تأتي مُجمَلة، متداخِلة، وبلُغةٍ عتيقة، واصطلاحيَّة خاصَّة، على الطريقة القديمة. فليلطف الله بطلبة العَرَبيَّة، الذين كثيرًا ما يكرَّهون فيها ويُصرَفون عنها، بصناعة النُّحاة المتوارثة تلك!

– كيف؟

– كيف هذه تحتاج قَعدةً أخرى. ففيها تفصيل، محلُّه مساقنا الآتي، بحول الله.

————

د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى