الأمة الثقافية

لغويات: النسبة إلى الشيء نفسه

اللغة العربية


كثيرا ما نقرأ مثل هذه العبارات:
* الموضوع الرئيسي لهذا اليوم هو… إلخ.
* المسألة الرئيسية هنا أنّه… إلخ.
* هذا موعدكم مع الأخبار الصحافية.
* وبالنسبة للفاعل فإنه مرفوع بعلامة الرفع.


في هذه الجمل وأمثالها مشكلات عديدة. أبرزها مشكلة إلحاق ياء النسبة بلفظ لا يحتاج إليها.
ففي المثال الأول ثمة موضوع يراد ذكره أو مناقشته، وهو أول الموضوعات لأهميته أو رغبة لإلفات نظر السامعين أو القارئين إليه. فهو، إذن، رأس الموضوعات (سواء في نشرة أخبار، أم محاضرة ما) أي إنه (رئيسها). فهو موضوع (رئيس) أما إذا أضفت الياء، فكأنك نسبت الشيء إلى نفسه، وهذا لا يجوز عقلا ولا لغة. وهل لك أن تقول عن رئيس بلدك وقال الرئيسيّ فلان؟ وهذه لا تشبه قولك: (عدنانيّ) و(قحطانيّ) مثلا لأنك، هنا، نسبت شيئا إلى شيء آخر. نسبت شخصا إلى شخص آخر. أو أن تنسبه إلى بلد ما.

أما (الموضوع) في الجملة فهو رئيس، أي مهم ومثير، ومتقدم على غيره، فلماذا يحتاج إلى ياء نسبة؟ وهل لك أن تقول: هذا موضوع مهمّيّ أو مثيريّ؟
وينطبق هذا على المؤنث، كما في المثال الثاني، فالمسألة رئيسة، لأنها أكثر أهمية من غيرها، فتقدمتها وكأنها صارت (رئيسة لها).

أما (الأخبار الصحافية) فمشكلتها تتجاوز ما قلناه. كيف؟
كلمة (الصحافية) منسوبة إلى (الصحافة) والصحافة مهنة، لا كتابة على ورق فحسب. فكيف تنسب إليها بهذه الصيغة؟ يمكنك أن تقول، بكل سهولة: الأخبار الصحفية، والمقالات الصحفية. وحتى نسبة المشتغل بالصحافة أراها نسبة إلى (صحيفة) لا إلى المهنة نفسها، لذا أقول (صحفي). وقد يبدو لك أن (الصحفية) أو (صحفي) نسبة إلى الجمع (صحف)، وهذا غير صحيح، لأنها على غرار (مدني) في النسبة إلى (مدينة) فالصحفي نسبة إلى الصحيفة. وهذه النسبة لها حلقتها الخاصة.

وإليك أمثلة مجاورة:
أنت لا تنسب النجار (نِجَاري) بل هو (نجّار) يشتغل بمهنة النجارة. ومثل هذا الحداد والخباز والتاجر، وسائر المهن.

ولا تنسب الذي يقوم بالتعليم (تعليمي) بل معلّم. فالتعليم مهنته. ولا ينسب إليها هكذا. أما قولك (كتب تعليمية) فيصح لأن التعليم ليس مهنة الكتب، بل مضمونها.

كما لا تصح النسبة إلى مهنة الصيد فتقول (صَيديّ) بل صيّاد.

أما الجملة الأخيرة (وبالنسبة للفاعل فإنه مرفوع بعلامة الرفع) فمترهلة وغير صحيحة. إذ يكفي أن نقول: الفاعل مرفوع. ومن البديهي أن يكون مرفوعا بعلامة الرفع لا بعلامة النصب أو الجر. فبقية الجملة تزيّد لا مبرر له، إلا في حالات تدريس النحو في مدارسنا المشغولة بحرفيات الإعراب.

ومن جهة أخرى فإن استعمال (بالنسبة) في هذه الجملة وأمثالها لا مسوّغ له.

وقد تسأل عن سبب رفض هذا الاستعمال. فتعال إلى المعنى الأصل لجذر اللفظ وشيء من انتقالاته:
(نسب) دالّ على اتصال شيء بشيء. ومنه النّسَب. والنسيب، أصله الطريق المستقيم (مجمل اللغة 4/400). وهو، أيضا: التشبيب بالمرأة خاصة، فكأنه اتصال وتواصل. وقولهم (فلان يمتّ لك بنسب) أي كلاكما من أصل واحد.

ومنه (النسبة) أي إنك تنسب شيئا إلى شيء آخر، أو إنسانا إلى بلد معين، أو قبيلة معينة. فأين تلاؤم هذا مع الجملة المذكورة؟ لأن قولك (بالنسبة للفاعل) تعني أنك ستنسب شيئا للفاعل، كأن تقول (فلان فاعليّ) وبغض النظر عن صحة هذه الجملة (فلان فاعليّ) أو عدم صحتها، فإن قولك (بالنسبة للفاعل) لا علاقة لها بما تريد قوله من ضرورة رفع الفاعل، لأن الرفع ليس منسوبا للفاعل بل هو من أصل بنائه.

وقد تعترض فتقول: إن هناك جهات أجازت هذه الاستعمالات، فأقول: لا تجوز إجازة ما لا يجوز، ولا على دليل لغويّ يحوز.
————–
د. هادي حسن حمّودي
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى