الأمة الثقافية

قرأتُ لك: “الحارس الأخير للقاهرة القديمة”

في روايته الثانية المترجمة إلى اللغة العربية يبحث الكاتب الأميركي مايكل لوكاس عن مخطوطات وملفات كثيرة ضمن ملف كبير هو معبد “بن عزرا” ويهود القاهرة.

ففي روايته الجديدة “الحارس الأخير للقاهرة القديمة”، الصادرة عن دار آفاق بترجمة إيناس زكي، يطرح لوكاس لغزا من خلال حادثة عادية، ويمضي خلال أكثر من 300 صفحة في حل هذا اللغز، وما يرتبط به من ألغاز وحوادث وشخصيات أخرى.

أزمنة مختلفة

الحادث العادي هو وصول طرد بريدي للراوي يوسف المقيم في أميركا من صديق والده “أحمد الراقب” يحتوي على قصاصة مكتوب على طرفيها باللغتين العربية والعبرية. ويضع الصديق كلود موصيري بطاقته داخل الطرد، راجيا منه التواصل معه إذا زار القاهرة.

هذا الطرد يصل إلى يوسف في عام 2000، وهذه الهدية الغريبة وهي “ورقة لها مظهر عتيق ترقد وسط البطانة المخملية للعلبة السوداء”، تجعله يتخذ القرار بالبحث عن ماضي والده وسر هذه الورقة. وهو أحد الأزمنة التي يجري فيها جزء من أحداث هذه الرواية، أي الزمن الذي كان خلال حكم الرئيس المصري حسني مبارك، وهو الزمن الثالث الذي تنقسم إليه هذه الرواية.

أما الزمن الأول فيجري في فترة خلافة الخليفة المستنصر بالله الفاطمي الذي تولى الخلافة بمصر في عام 427 للهجرة (الموافق لسنة 1036 ميلادية)، وهو زمن تلك القصاصة التي وصلت إلى يوسف، والتي كانت عبارة عن رسائل متبادلة بين “أبي سعد” كبير مستشاري الخليفة من جهة، وهي مكتوبة باللغة العربية، وبين “شيماريا الورع” أحد كهنة معبد بن عزرا وأحد كبار شخصيات مجلس الطائفة اليهودية من جهة أخرى، وهي مكتوبة على ظهر تلك الورقة باللغة العبرية.

ونكتشف خلال الرواية أن حامل تلك الرسائل المتبادلة كان الفتى المسلم “علي بن المرواني” -الذي سيحصل مع أبنائه وأحفاده على لقب الراقب، أي علي الحارس- والذي كان أول حرّاس معبد بن عزرا اليهودي.

في هذا الزمن -الذي يأخذ ما يقارب ثلث الرواية- يعثر القارئ على شخصيات تخص هذا الزمن، وكذلك حكايات هذه الشخصيات. فبالإضافة إلى حكاية الفتى اليتيم علي وخاله السكير الذي كفله بعد موت والده الذي كان يعمل سقّاء، نعثر على حكايته مع ابنة خاله التي تفتقد الجمال، ولكن علي يضطر للزواج منها بعد أن وقع في حب ابنة “شيماريا الورع”، واستغلال الساحر “حاسدي السيفاردي” لحب علي المحرّم. ولكي يكتب له تعويذة سحرية حتى تقع الفتاة اليهودية في حبه طلب منه أن يضع رقا من الجلد في المكان الذي يشع بنور لفافة عزرا، حتى يتكمن الساحر من سرقة اللفافة وأخذ قوتها وطاقتها في سحره.

اللورد كرومر

الزمن الثاني الذي تجري فيه أحداث الرواية، ويأخذ كذلك مساحة الثلث منها، يجري انطلاقا من عام 1897، وهو العام الذي وصلت فيه توأمتان بريطانيتان -هما أجنيس لويس ومارغريت جيسون- مختصتان في البحث عن المخطوطات الأثرية.

وكان والدهما الثري -وكذلك زوجاهما المتوفيان- قد تركوا لهما ثروة كبيرة، وصارتا تستخدمان تلك الثروة لإشباع حبهما لاكتشاف المخطوطات والوثائق، وكذلك في السفر المتواصل إلى بلدان مختلفة، خاصة أنهما وصلتا إلى سن 54 عاما دون أن يكون لهما أولاد.

الباحثتان جاءتا إلى القاهرة لتبحثا عن “لفافة عزرا” التي من المعروف أنها موجودة في ذلك المعبد الذي يحمل اسم عزرا.

وهذه اللفافة هي أقدم مخطوطة للتوراة، ويُقال إنها موجودة في غرفة تدعى “الجنيزة”، إذ كان من عادة اليهود دفن وثائقهم وعقودهم -التي تحوي اسم الله فيها- في غرفة خاصة في المعبد، أو قبر خاص ضمن قبور الطائفة في مقبرة البساتين.

ويرد في الرواية “كانت الحجرة مكدسة بالنصوص المختلفة من الأرض حتى حافة النافذة، مقبرة قديمة للمخطوطات التي تم التخلص منها كيفما اتفق. (..) وسط ركام ألف عام من الكتب وصكوك الملكية والتعاويذ السحرية وعقود الزواج، قد يكتشفون رسالة من صلاح الدين (الأيوبي) أو فصلا جديدا من مقدمة ابن خلدون، أو نسخة جديدة غير معروفة من الأناجيل، أو واحدا من أعمال موسى بن ميمون أو أفلاطون أو يهوذا اللاوي. حتى الوثائق العادية كانت لها أهميتها. وقد لا يجد المرء ما يثير الاهتمام في رسالة بعينها أو عقد من العقود، لكن مع مرور آلاف السنين تصير تفاصيل الحياة اليومية مادة خام للتاريخ”.

في هذا الجزء يكتشف القارئ حياة التوأمتين، وشهرة إحداهما بعد اكتشافها لمخطوطات “سانت كاترين” ونقلها إلى جامعة كامبريدج لدراستها. وكذلك يعثر على شخصيات أخرى كانت في زمن اللورد كرومر الذي كان حاكم مصر الفعلي، مثل حكايات الدكتور شيختر ومعاونته الطلبة دو ويت، والحارس محمد الراقب وقططه وتفانيه للدفاع عن المعبد اليهودي، وحكاية “بيخو” وابنه مارسيل.

إذًا كانت هناك آلاف الوثائق المدفونة في المعبد أو المقبرة، وكانت مهمة فريق البحث العثور على هذه الوثائق -خاصة بعد تسرّب عدد منها وبيعها في الأسواق- ونقلها إلى جامعة كامبريدج.

آخر الحرّاس

أما حكاية الراوي يوسف وأمه اليهودية التي حملت به من زيارة حبيبها المسلم أحمد الراقب، وهو آخر الحراس من عائلته لذلك المعبد، نعثر عليها في الزمن الثالث الذي كان يجري في زمن الرئيس حسني مبارك.

يوسف -الذي ولد من تلك العلاقة بين والدته وأحمد الراقب الذي زارها في باريس- سيبحث عن أثر والده، ويعثر لدى شقيق والده على رسائل أمه لأبيه وهي ما زالت مراهقة صغيرة في القاهرة، وكذلك رسائلها خلال هجرة عائلتها إلى باريس ومن ثم إلى أميركا حيث يعيش يوسف مع أمه وزوجها “بيل”.

بالإضافة إلى ذلك، نعثر على ما تبقى من عائلة الراقب في القاهرة، وعلى حكاية البوّاب الذي يساعد يوسف للعثور على حل للغز الطرد الذي وصل إليه.

الرواية ليست مقسمة إلى 3 أجزاء منفصلة، يذهب كل جزء للسرد والبحث في زمنه الخاص به، بل كتبها مايكل ديفيد لوكاس (ولد في عام 1979) في 16 قسما، حيث يقدم مثلاً قسما من الزمن الأول ثم قسما من الزمن الثاني ثم الثالث ثم يعود للزمن الأول وهكذا.

وإذا أخذنا الرواية من زمن علي الراقب (1036 ميلادي) كأول حارس لهذا المعبد الذي تدور حوله الرواية، إلى زمن أحمد الراقب (2000 ميلادي) كآخر الحراس للمعبد اليهودي، سنجد أن الرواية تمتد على مساحة زمنية تقارب الألف عام.

الروائي يدخلنا إلى المعبد القائم حتى الآن من خلال سرد بطيء ومتماسك، ولكنه يثير القارئ بطريقة كبيرة بحيث يرغب في إنهاء الرواية في جلسة واحدة. وهي إحدى ميزات الروايات التي تقوم بطرح لغز ما والبحث عن حل أو حلول له.

ولكن رواية لوكاس هذه تبقى رواية كلاسيكية، خاصة إذا علمنا أن صاحب رواية “عرّافة إسطنبول” -المترجمة أيضا إلى العربية- الذي يعمل في مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة كاليفورنيا في بركلي، سبق له أن درس فن الكتابة الإبداعية في فالنسيا وأستوديو الكتاب في جامعة ستانفورد وكذلك في جامعة الباسيفيك، وسافر إلى القاهرة بالفعل في عام 2000 للدراسة في الجامعة الأميركية.

رواية “الحارس الأخير للقاهرة القديمة” أثارت الشغف الكبير لدى القارئ غير العربي، مما أسهم في ترجمتها إلى الكثير من اللغات، وحصدت جوائز متعددة، حيث ما زال الشرق يحتفظ بذلك السحر الخاص به لدى الباحثين والقراء.

المصدر: الجزيرة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى