آراءأقلام حرة

صلاح المكاوي يكتب: لقد أوجعتني أيها الرجـل!

صلاح المكاوي

قُدِّر لي الذهاب إلى قرية (أتميدة) المُتاخمة لقريتي (البوها)؛ لقضاء مهمة ما، فامتطيتُ درّاجتي الملاكي ـ أبقاها الله ـ مُيمِمًا شطْرها من الطريق الإسفلتيّ الذي يربط البلدين والمؤدي إلى مدينة السنبلاوين، مساحاتٌ شاسعة من الأراضي الزراعية على جانبي الطريق قد طُرّزت باللون الأخضر تشوبها بعض الكتل الخرسانية الشَّوْهاء!

لقد قضيتُ في رحاب هذه الجارة (أتميدة) رِدحًا من الزمن متعلِّمًا في مدارسها بالمرحلتين الإعدادية والثانوية، مُتتلمِذا على أيدي مُعلميها الأماجد، مُتسكّعًا في شوارعها وأزِقَّتها الضيّقة، سائحًا في أسواقها وحوانيتها ، مُنتشيًا بليلها الساحر مع الصُّحبةِ صيفًا ، مُتابعًا لدورات كرة القدم بين الفرق على ملاعبها عصرًا!

كما تربطنا بها مصاهرات وصداقات حميمة نفخر بها ونباهي، ولا يمنع من أن يتخلل هذه الوشائج الوطيدة بعض المناوشات من شجارٍ وعِراك لبعض الشباب الأرعن، ولكن الغلبة معظمها أمست لشباب (البوها) الأشاوس -زعموا أنفسهم- وكانت جُل هذه المشاحنات بسبب المعاكسات والتحرش بالبنات من قبيل الرسم وإظهار العضلات .

أتذكرُ هذا الدوران؟ نعم إنها منطقة (قُلقيلة)، هنا على شاطئ المصرف كانت تتشعبُ شجرة الجميز العملاقة ضاربةً بجذورها في أعماق التاريخ والتي لا يستطيع أن يحتضنها العشرة من الرجال الأشداء ذوي السواعد المفتولة!

لطالما أشبعناها قذفا بالحجارة؛ لتلقي علينا بثمار الجميز الذي أوشك على التَّعفُّن والذي يُشبه التين البرشومي، وهنا أيضا كان يتملكنا الرعب ليلا من قصص العفاريت، وكذا الجِنيَّة التي طلعت لفلان، واحتالت على فلان ؛ لذا كنا نعدو قُبالتها عدوًا عاضّين بأسناننا أطراف جلابيبنا واضعين أحذيتنا تحت إبطنا نكاد نتكفّأ لاهثين من الخوف حتى نُخلِّفها خلفنا!

لقد اندرست هذه المعالم ولم يبق إلا شُجيرةُ جميز صغيرة نبتت على استحياء من الجذور المتشبِّثة للأم العتيقة بعد اجتثاثها، وهذا بقايا الحوض الأسمنتي الذي كانت تقذف فيه ماكينة الريّ ماء المصرف ذا الرائحة النتنة تعلوه الرغاوي البيضاء الكثيفة التي كانت تجذب انتباهنا فتقف أمامها مشدوهين!

إنه الكوبري ومدخل البلد والكشك الصغير لخالتك “مليحة” التي طالما أكلنا من يدها وشربنا، وهذه مدرسة أتميدة الإعدادية التي قضينا فيها الفصل الدراسي الأول للصف الأول الإعدادي ثم انتقلنا لقريتنا البوها وفي ظهرها كانت مدرستنا الثانوية وذكرياتنا الحلوة والمرة، هنا الميدان وصيدلية حمدي العتيقة ومكتبة صفاء الشهيرة، ثم مسجد أبوجبل، فالوحدة المحلية، ثم المعهد الديني ، فمركز الشباب وكم كانت لنا فيه صولات وجولات في المسابقات الثقافية!

على يساري الآن نقطة الشرطة، ثم السجل المدني فالبريد على اليمين، ثم مدرسة المجمع، فـ جمال طمان الثانوية، ثم محطّتي المأمولة، وهنا توقفتُ بالدراجة وتناولت ملفًا مُتخمًا بالأوراق التي لا طائل منها، وكذا طوابع البريد والدمغات؛ لأقدّمَ لابن أخي في مدرسة أتميدة الثانوية التجارية، دلفتُ من البوابة مسرعًا، وحانت مني التفاتةُ في فناء المدرسة تحت شجرة الفيكس الضخمة التي لا منفعة منها غير الظل فهالني ما رأيت ،ويا ليتني ما أتيت!!

رمقتُه بوجهه المُنير المستدير بعينيه المُنهكتين وقسماته الدقيقة الرقيقة وقد علا الشيبُ مفرقه يرتدي جلبابا خفيفًا بسيطًا مُشمِّرًا ذراعيه إلى الرُّسغين، يجلس على مقعدٍ مدرسيِ متهالك وأمامه منضدة مترنّحة تكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة وبحوزته كيسٌ بلاستيكيٌّ كبير يحوي الكثير من الأوراق المطبوعة والطوابع البريدية والدمغات وأظرف الخطابات، اقتربتُ منه خطواتٍ فألفيتُه مُنهمكًا في تقليب محتوي الكيس؛ ليُخرج لهذا ورقة، ويلصق لذاك طابعا، ويستكمل ما نقص من ملف تلك مقابل بعض الجنيهات.

انكبَّ عليه الناس يرفعون أصواتهم بالسباب والشتائم على المسئولين إذ يحملونهم ما لا يُطيقونّ!

تلاشى صوت الرجل وسط أصواتهم الساخطة، وسال عرقه غزيرًا ليُبلِّل ملابسه وما أمامه من أوراق. يا للهول! ماذا أري؟! سيدي، أأنت أستاذنا ………….؟! بلى أنا هو بلحمه وشحمه.

فاستدعت مُخيّلتي الماضي لأرى معلمنا هذا برونقه وبهائه وإخلاصه في عمله و ، و ، و ، ثم يصبح مصيره هكذا؟! فقاطعني قائلا: لا عليك تلميذي النجيب، لقد رُكِلتُ إلى المعاش السنة الفائتة وتقلّص راتبي إلى “ألف ومائتين” جنيه وهو لا يكفيني وأولادي طعاما، ناهيك عن العلاج ، و ، و ، و فماذا أنا فاعل؟!

تسمّرت قدماي، وجحظت من دهشة عيناي، ووقف الكلام في حلقي وتحجّر وكأن قلبي أصابه خِنجر! فطوّحتُ الملف من يدي إلى المسئول، فصرخ مُشيحًا بيده يقول: ……. ،

فأعطيتُه ظهري غير آبهٍ بما يقول ،

وقفلتُ راجعًا أجرُّ قدميَّ وأذيال الخيْبة، تتملكني الحسرة والألم مُنكَّس الرأسِ والعَلَم، واقتدتُ درّاجتي أسيرُ حِذاءَها، حزينة هي الأُخرى لما خلَّفَتْهُ وراءَها، وقلتُ في نفسي: لكم الله يا معلمي مصر! وأحسبُ جزاءَكم عنده بلا حصر!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى