آراءمقالات

قصة استشهاد سعيد بن جبير

Latest posts by حمدي شفيق (see all)

كان سعيد بن جبير رضى الله عنه من كبار علماء التابعين العاملين.و يكفى أن نعلم.. أنه كان أنجب تلاميذ بحر العلم عبد الله بن عباس رضى الله عنه..و روى أحاديث كثيرة

أيضاً عن السيدة عائشة وعن علماء الصحابة أمثال “عبد الله بن عمر”و”أبو سعيد الخدرى”و”ابن مسعود”و”أبو هريرة”و “عبد الله بن الزبير”و غيرهم رضى الله عنهم.

أما تلاميذه فكانوا ألوفاً بمكة و المدينة و العراق و فارس..و لم يكتف رضى الله عنه بما نشره من علوم الإسلام ،فتصدّى للظلم و الطُغيان.فقد كان يعلم أن أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر،و أنه لا يسع العالم السكوت على جرائم الحاكم..و لهذا أبى أن يسكت على ما يرتكبه السفّاح “الحجّاج الثقفى” والى العراق،غير عابئ بما يُصيبه بسبب ذلك.و طارده زبانية الطاغية فى كل مكان..و لم يظفروا به إلا بعد 13 سنة،عانوا خلالها الأمرّين من سياط كلماته و عظاته..و جيء به إلى مجلس الحجّاج أخيراً..و دار بينهما حوار خلّده التاريخ بأحرف من نور ..

سأله الطاغية أوّلاً: ما اسمك ؟

أجاب بهدوء :سعيد بن جُبير..

قال الحجّاج: بل شقى بن كسير..

صفعه سعيد : أُمّى أعلم باسمى منك..

شتمه المُجرم: شقيت و شقيت أُمّك..

ردّ سعيد بثبات: الغيب يعلمه غيرك..

عاد الحجّاج يسأله: فما قولك في محمد صلى الله عليه وسلم ؟

أجاب سعيد : نبي الرحمة و إمام الهدى .

سأل الحجّاج: فما قولك في علي ، في الجنة هو أم في النار ؟

ردّ سعيد : لو دخلتها ، فرأيت أهلها عرفت .

سأل الحجّاج: فما قولك في الخلفاء ؟

أجاب سعيد : لست عليهم بوكيل .

قال الحجّاج: فأيهم أعجب إليك ؟

قال سعيد: أرضاهم لخالقي .

أصرّ الحجّاج على السؤال: فأيهم أرضى للخالق ؟

أجاب سعيد : علم ذلك عنده .

قال الحجّاج: أبيت أن تصدقني .

قال سعيد: إني لم أحب أن أكذبك .

هدّده الطاغية: لأبدلنّك بالحياة ناراً تلظّى.

سخر منه سعيد : لو علمت أن ذلك إليك لاتخذتك إلهاً.

هدّد الطاغية مرّة أُخرى: لأقتلنّك.

ابتسم ولى الله و هو يرد: إنى إذاً كما سمّتنى أُمّى (سعيد).

قال : فما بالك تضحك ؟

قال : عجبت لجرأتك على الله و حلم الله عليك .

ثم قال سعيد : دعوني أصل ركعتين .

قال الحجّاج: وجّهوه إلى قبلة النصارى .

قال سعيد : (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) و إني أستعيذ منك بما عاذت به مريم .

سأل الطاغية الجاهل : وما عاذت به ؟

أجاب العالم : قالت : (إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) .

صاح الحجّاج : الويل لك يا سعيد.

رد سعيد : الويل لمن زُحزح عن الجنة وأُدخل النار.

قال الطاغية: اختر لنفسك قتلة أقتلك بها.

ردّ ولى الله بشجاعة: اختر لنفسك يا حَجّاج ،

فوالله ما تقتلني قتلة إلا قتلك الله بها في الآخرة.

سأله الحجّاج : فتريد أن أعفو عنك ؟

قال سعيد: إن كان العفو ،فمن الله،و أما أنت فلا براءة لك ولا عذر .

نفد صبر الطاغية فصاح : اقتلوه .

قال سعيد : (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)

قال الظالم : كبّوه لوجهه .

قال ولى الله : (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ)

صرخ الحجّاج فى جنون: اذبحوه .

هتف سعيد : إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله. خذها مني حتى تلقاني يوم القيامة .

ثم دعا ولى الله قائلاً : اللهم لا تُسلّطه على أحد يقتله بعدي.

ويُروى أنه بعد انفصال رأسه عن جسده ،ظل لسان سعيد بن جُبير رضى الله عنه يُردّد : لا اله الا الله عدّة مرّات .

وهكذا فاز رضى الله عنه بأعظم أنواع الشهادة ، وهى كلمة حق قالها عند سفّاح

ظالم ،و دفع ثمنها من دمه الطاهر..و استجاب الله لدعائه ، فلم يعش الحجّاج بعده

إلا أسبوعين فقط هلك بعدهما بمرض خبيث افترس جسده الآثم.عليه من الله ما يستحق.

وظل طوال الأسبوعين ينتفض فزعاً من نومه، صارخاً فى رُعب و حسرة: مالى وسعيد؟! مالى وسعيد؟!

واستدعى الحسن البصرى رضى الله عنه، و شكا إليه حاله لعلّه يدعو له .

ولكن الحسن رضى الله عنه صفعه قائلاً : قد نهيتك عن التعرّض للصالحين فلم تطعنى.

وتركه و انصرف .وعندما بلغه بعدها خبر هلاك الحجّاج سجد الحسن رضى الله عنه شكراً لله.

وبقى علم سعيد بن جُبير و قصة جهاده و استشهاده رضى الله عنه نموذجاً و قدوة حسنة على مرّ مئات السنين لكل المسلمين ..

و ما عند ربّه خير له و أبقى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى