آراءمقالات

قناة الجزيرة والوجدان العربي (1)

Latest posts by عنتر فرحات (see all)

لا يستطيع أحد إنكار أن الوطن العربي عامة، وخاصة وبعد الاحتلال الذي سلط عليه في القرن الأخير، أصبح متأخرا في كل المجالات، وأصبحت ثقافة كل دولة جزءا من ثقافة المحتل، وخير مثال لذلك الجزائر؛ فمن المستحيلِ أن تسمعَ مسئولًا، أو شخصيةً وطنيةً تتكلمُ إلا بالفرنسيةِ؛ لأنه يشعر بالدُّونِيَّةِ إن تكلم بالعربية، ليس هذا على المجال الخارجي فقط، بل حتى في الداخل أيضا، إذا أنت لم تتكلم بتلك اللغة (الفرنسية)؛ فهذا معناه شيء واحد أنك متخلف، وأعرابي، ولا يحق لك أن تكون في أي منصب من مناصب الدولة الجزائرية الحديثة بعد جَلاءِ المحتل، وهذا هو الحال في  كل الوطن العربي، أصبح الميزان الذي يُعرف به الحَسَنُ والقَبِيحُ، هو مدى تأثره بالدولة التي كان يقبع تحت نيرانها، وليس هذا على مستوى الأفراد، بل حتى كبرى المؤسسات، تُسَيَّر من طرف تلك الدول، وخير مثال لِذلك شركة أرامكو السعودية، وسوناطراك الجزائرية.

في هذا الظرف الذي نعيشه، أصبح حلم المواطن العربي، أن يرى مؤسسة مستقلة، تمثل شخصيته، وتجسده فكره، وتكون ناطقة بلسانه،معبرة عن حاله ومقاله.

ومن عجائب الأقدار، أن قناة BBC الناطقة بالعربية، تتوقف عن البث لأسباب يعلمها القاصي والداني، ومن لطف الأقدار أن هذا الطاقم المحترف كله، يلتحق بقطر، حيث كان يجهز هناك لـ قناة عربية، ستكون هي المؤسسة الوحيدة التي تنافس كل نظيراتها العالمية بل وتتجاوزهم.

لا توجد أيُّ مشكلةٍ في أن تكون في دولةٍ عربيةٍ قناةٌ مستقلةٌ، الميزة التي تميزت بها هذه القناة، أنها لم تكن قطرية أبدا، إلا من ناحية التمويل؛ لأنها استعملت وسائل المؤسسات العالمية الكبرى، حيث كانت تستقطب كل الخبرات، وكل الشخصيات أصحاب الكعب العالي في المهنة، الرسوخ في المتناهي في الفكرة، واستقطبت كثيرا من الطاقات البشرية الشبابية في الوطن العربي، ما جعل كعبها يعلو بسرعة، مثل الفتاة العربية في الأرض الحارة.

بقيت هذه القناة تتميز وتتفرد بالأفضلية، وذلك بفضل الخبرات، والحماس الشبابي الذي تملكه، ولم تكن تُسَبِّبُ أيَّ إزعاج لأيٍ كان، سواء في الوطن العربي، أو دول العالم، إلا أنه بعد انتخابات الجزائر، سنة 1999م، ومع مجيء بوتفليقة تَمَّ طرد القناة من الجزائر، وذلك لأنها خالفت المعهود عليه في الجزائر والوطن العربي(الرأي الواحد)؛ لأنه لا مكان للرأي الآخر، الذي جعلت منه الجزيرة شعارا، في هذه البلاد.

ثم يأتي الغزو الأمريكي للأفغان وتظهر خبرات ومهارات القناة، وتصبح الناقل الرسمي في الوطن العربي لحرب الأفغان، وتبدأ مكانها تأخذ حيزا كبيرا بين شباب الوطن العربي ونخبته.

ثم يأتي الغزو الثاني للعراق، وتكون الجزيرة حاضرة بقوة، ومبطلة لكثيرٍ من الادعاءات التي كانت تخرج بها تصاريح الناطقين الرسمين الأمريكين، ما جعل المواطن العربي يشعر ببسمة في قلبه؛ لأن هناك من يخالف تصاريح أمريكا المحتلة.

وبما أن أمريكا تحتل العراق، وسوريا حاملة لواء المقاومة ضد إسرائيل؛ فطبيعي أن يكون للجزيرة مكانةٌ في سوريا؛ لذلك وجدنا متابعات حثيثة من الشعب السوري لهذه القناة، وكان هذا بإيعاز من النظام السوري الجبروتي، الذي يفرض على شعبه على ما يختارون من القنوات، ويزداد رصيد الجزيرة في سوريا والوطن العربي، وتبدأ هذه القناة منافسة القنوات الرسمية، بل جعلتهم في خبر كان، وأصبحت هي القناة الوحيدة المتفردة بنقل الحقيقة، وترسخ لدى العقل العربي أنهلا ناقل للحقيقة غير الجزيرة (جهينة العرب).

وبعد أن أصبحت القناة الأولى في الوطن العربي، فطبيعي أن تزداد منافستها للقنوات العالمية، وذلك لـ:

01:البرامج الوثائقية التي تفتح بها ملفات سرية خطيرة، وكثيرا ما تحرك هذه البرامج دولا.

02: لأن الجزيرة كانت هي القناة الوحيدة المتفردة بكل خطابات زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن(رحمه الله)، وهذا الرجل هو العدو الأكبر، والمطلوب الأول للأمريكان.

 فكانت كلما تنشر له مقاطع صوتية، تنقل عنها كل القنوات العالمية، بل أحيانا نسمع باجتماع في البيت الأبيض، أوالبنتاغون.

وإن دل هذا على شيء، فهو: علمُ القوةِ العظمى أن القناة دقيقة شفافة في كل ما تنقل، أي لا مجال للخطأ لدى هذه القناة.

03:البرامج التي خصصتها وتصف فيها آثار الحرب الأمريكة على العراق والأفغان والدمار الذي لحق بالبلدين.

وهذا أكبر شيء أزعج الأمريكان.

04: تفردها بلقاءات مع أسامة بن لادن، وقادة الجهاد في الأفغان.

وهذا لم تستطعه أي قناة عالمية، إلا بعض اللقاءات الهامشية، والتي لم يكن لها أي صدى عالمي.

05: الإحراج الكبير الذي سببته للكيان الصهيوني، بأن كانت الناقل الرسمي لكل الحروب، والدمار الذي ألحقته آلة الحرب الصهيونية في غزة، ثم كانت هي المروج الأكبر لمحاكمة إسرائيل بتهمة جرائم حرب في غزة، وكانت الجزيرة هي التي تثبت تلك الجرائم، وكل ما أثبتته الجزيرة سجل في تقرير غولدستون.

كل هذا أعطاها أرصدة كبيرة في الوطن العربي، وكانت فعلا فخر الإنسان العربي مطلع هذا القرن.

ولم نجد أي اعتراض على القناة من طرف الشارع العربي، أو النخبة العربية، إلا أن جاءت سنة 2011م،

ومع تلك الهبة الشعبية، ودور الجزيرة في ذلك الحراك.

يتبع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى