آراءمقالات

كأن القرآن يتنزل من جديد (9)

يقول الحق تبارك وتعالى: (هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا).

هذه آية، من آيات القرآن، يخيل إليّ كأني أتسمع إلى صلصلة تنزلها وأحس جرس نزول جبريل بها على قلب النبي، صلى الله عليه وسلم، وكأني بالزمان يعود بالحياة لنرى صرخة الأولى، قالوها في الزمان البعيد.

الآية تتذرع بلفظ من ألفاظ القرابات في مجتمع قاس متنكر للوحي، ضل الطريق وتاه بعيدا في دروب الخيانات المظالم.

الآية تفتتح الحكاية بجملة اسمية قصيرة صالحة للوقوف عليها هي (هَؤُلاءِ قَوْمُنَا) وهو ما يمنح الفرصة لتصور الحسرة والخسران عندما تتصل الجملة بالخبر التالي الذي يصور انحرافهم المرعب وخيانتهم مطالب الإيمان والتنكر لعطاء الله والشرك به واتخاذ آلهة مزعومة مدعاة ثم هي تنعى تورطهم في جعل الله أهون الشركاء ساعة يتصرفون عنه إلى ما هو دونه حتما.

والآية تنفي إمكان قيام الدليل على وجود إلهة معه وهي تنفي من باب عجيب يحمل دلالة التحدي ويحتمل دلالة التبكيت ويحتمل دلالة الصبر الحزين.

لولا: في الآية توشك أن تكون حرفا للنفي وحرفا للتحدي وحرفا للسخرية المرة وحرفا يطلب رجوع القوم قبل نفاد الوقت وضياع الفرصة ودمار الحضارة.

والتحدي متجدد على الزمان متجدد مع الأقوام في كل مكان بقرينة الفعل (يأتون ) الدال بصيغته على التجدد والدال بقرينة إسناده لولو الجماعة على الاستهانة باجتماعهم على الباطل والدال بالقرينة نفسها على الثقة البالغة في قدرات الكتاب العزيز على هزيمة مناهج الكفر وهزيمة دعوات الانحراف.

الآية تدعو من منطق الثقة والقدرة البالغة هؤلاء ء لى استجماع طاقاتهم على استحضار اي دليل من أي نوع ليدل على قيمة في الآلهة المزعومة.

الآية تقرر أن سلطان العلم سيثبت عجزهم، وتقرر أن سلطان الفطرة سيهزم دعواهم، وتقرر أن سلطان التجربة سيظهر عورهم، وتقرر أن سلطان البيولوجيا سيقهرهم ويخضعهم لسلطان الله القهار مهما توافرت قواهم ومهما توافر اجتماعهم.

الآية تعالن بأن الافتراء على الله كذب، وتعالن بأن مطالب القومية الحقيقية تفرض الانتصار لثقافة التوحيد.. وتعالن بأن بناء الأمة يستلزم عملا ثقافيا جادا يوحد الأمة على مقررات الإيمان والتوحيد.. وتعالن بأن كل استقطاب بين طوائف الأمة خيانة لمقدرات التوحيد والإيمان

وتقرر أن الانقسام المجتمعي عواقبه وخيمة بمن يتنكب طريق الإيمان بالله، وتعالن -في ضوء نتائج ما كان- بأن الذين اصطفوا في صفوف الضلال اختاروا طريق الهزيمة والسقوط المدوي.

الآية تقول إن الفصيل المؤمن يظهر دائما أحرص على محددات بناء الأمة وصيانة القومية.. والآية توشك أن تعالن بأن كل سير في ركاب الأنظمة الظالمة المستهينة بوحي السماء المتجرئة على رموزه ومقدساته وآدابه – يقود إلى الدمار والخراب.

الآية من مفتتحها تقرر أن الارتباط بالله هو صانع الوحدة السياسية والثقافية والاجتماعية.. والآية توشك أن تقرر أن عداوة قطاع من القوم خلل.. وان الاستجابة للعدو خلل.. الآية توشك أن تعالن بأن كل تأسيس للقومية بمعزل عن الوحي خيانة للقومية وخيانة للجماهير وخيانة للمستقبل معا.

الآية في تنزلها الآن تؤسس منهجا للسلم المجتمعي ومحاربة الاستقطاب.. والآية دعوة لمراجعة برامج الفكر القومي على هدي مقررات الوحي.. الآية تقرر أن النجاة من خراب الديار طريقه الالتفاف حول دواعي الإيمان بالرب المانع من خراب الديار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى