آراءمقالات

الإمام البخاري (6)

Latest posts by حمدي شفيق (see all)

ورغم ما قدّم هذا الإمام العظيم (البخاري) لدينه وأُمّته، فقد ابتلى باضطهاد الحُكّام، وحسد الأقران! وكأننا نتفنّن في إيذاء أهل العلم والفضل فينا! ففي أواخر حياته ذهب إلى مدينة “نيسابور” بإلحاح من أهلها، لينهلوا من علمه.

واستقبلوه على مشارف المدينة، بحفاوة وتكريم لم يظفر بهما أحد قبله ولا بعده.. وكان بيته بها يمتلئ عن آخره بألوف من طلبة العلم والحديث، فخلت مجالس باقي العلماء من التلاميذ، وأشعل هذا نار الغيرة والحسد في نفس أحدهم، فاتهم البخاري بأنه يقول رأيًا مُبتدعًا، في مسألة خلق القرآن التي فتن الحكام الناس بها في ذلك الزمان.

والحق أن البخاري رضي الله عنه لم يتجاوز الصواب فيها، فقد قال: “القرآن الكريم كلام الله تعالى وهو غير مخلوق” وهذا ما كان عليه العلماء سلفا عن خلف، إلّا من شَذّ وخالف إجماع أهل السُنّة والجماعة. و”أمّا أفعال العباد فهي مخلوقة”.انتهى..

صحيح البخاري

وهذا هو الحق.. فهناك فارق هائل بين القرآن ذاته، وهو كلام الله تعالى -فليس مخلوقا- وبين نطقنا وتلفّظنا به وأصواتنا في تلاوته، فلا شك أن البشر وأفعالهم وألسنتهم وحركاتهم وأقوالهم مخلوقة مثلهم. لكن الحاسد أبى إلا إثارة الناس على الإمام البخاري، ليبعدهم عنه، ويخرجه من المدينة.

وفي ردّه على أحد تلاميذه، كشف البخاري السبب الحقيقي في هذا الاتهام الباطل له، إذ قال: “كم يعتري الرجل من الحسد في العلم، والعلم رزق الله يعطيه من يشاء” وردّ على آخر بقول الله تعالى: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: 44] ودعا قائلا: “اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشرًا ولا بطرًا ولا طلبًا للرياسة، وقد قصدني هذا الرجل [يقصد الشخص الذي حسده واتهمه بالباطل] حسدًا لما آتاني الله لا غير”. ثم قال لمن حوله: “إني خارج غدًا لتتخلّصوا من حديثه لأجلي”.

وبالفعل غادر البخاري البلد في هدوء، حتى لا يقتتل الناس بسببه. ولكن حاسده لم يتركه وشأنه، إذا أرسل إلى باقي البلدان، مُحرّضًا الجميع على البخاري، ومُردّدًا ذات الاتهامات الكاذبة ضده.

وتسبّب هذا في بلاء شديد للإمام العظيم، فقد طارده السفهاء والجهلة في كل مكان ينزل به، حتى عاد إلى مسقط رأسه “بُخارى” لكنه لم يلبث فيها إلا قليلًا. فقد أرسل إليه الوالي، يطلب منه الحضور إلى قصره، ليُعلّمه وأولاده الحديث والفقه.

ورفض الإمام العظيم أن يُذل العلم للسلاطين، أو أن يخص به قوما دون آخرين، وأرسى قاعدة خالدة هي أن الطالب عليه أن يسعى إلى العلم والمُعلّم، وليس العكس. وغضب الحاكم، وأمر بطرد الإمام من بلده.

ودعا عليه البخاري، فلم يمض شهر حتى عُزل من منصبه، وأُودِع السجن، وكذلك أصيب جميع من حرّضوا على البخاري أو اضطهدوه بأنواع شتى من العقوبات الإلهية، ولا عجب، فقد قال المولى عزّ وجلّ -في حديث قدسي رواه البخاري نفسه-: (من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب). وخرج الإمام العظيم في آخر الأمر إلى أقارب له بإحدى قرى سمرقند.

ودعا ربه أن يقبضه إليه، بعد أن ضاقت عليه الأرض بما رحبت.. واستجاب الله لوليّه وخادم سُنّة نبيّه، فرجعت النفس المُطمئنّة إلى ربّها بعد أسابيع.. وشهدت جنازته أعداد هائلة من الناس، وفاحت من قبره رائحة زكية لم يشمّ أحد منهم مثلها، فكانوا يتنافسون على اقتناء بعض ترابه، واضطر تلاميذه إلى إقامة حواجز حوله، لمنع تجريف تربته..

ويُروى أيضا أن أعمدة من نور خرجت من قبره عند دفنه.. ونور علمه وبركته يُنير الطريق للسالكين، إلى يوم الدين. رضي الله عنه و أرضاه.

————–

بعض المراجع

*ترجمة الإمام البخاري في”سير أعلام النبلاء”للإمام الذهبي

*ترجمة الإمام البخاري في كتاب”البداية و النهاية”للإمام ابن كثير

*مقدمة”فتح الباري بشرح صحيح البخاري”للإمام ابن حجر العسقلاني

*مقدمة”عمدة القاري في شرح صحيح البخاري”للإمام بدر الدين العيني

*”مناقب البخاري”رسالة في مناقب البخاري للإمام العيدروسي

*”مناقب البخاري”رسالة في مناقب البخاري للإمام البكري

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى