آراءأقلام حرة

أنس الرهوان يكتب: في صحبة الشيخ والمريد!

  • المريد – وليد كساب
  • وضعتُ جنبي في الفِراش في سويعاتِ السحَرِ، أمسكتُ الجوالَ أتنقلُ بين تطبيقاته قبيْل النوم، فتحتُ قارئَ الكتبِ، فعَرَض لي هذا الكتابُ على رأس القائمة، وكان مؤلفُه الكريم قد بعثه لي في رسالةٍ خاصة، كما بعثه لكلِّ مَن علَّق على منشورٍ كتبَه، فحدَّثَتني نفسي بتصفُّحه، فطاوعتُها فضولًا، واستكمالًا للتطوافِ بين البرامجِ مغالبةً لِلنوم .
  • بدَرَتْني مقدمةٌ ضافيةٌ أنيقةُ الحرفِ،”تنطفُ ألقًا وشَجنًا”، وتستدرُّ المشاعرَ من المُهَجِ طائعةً مندفعةً إلى الجوارحِ، دهشةً تلتمعُ في العينِ، وتبسُّمَ المعجَبِ على الشفاهِ، صاغَها الأستاذ العَلامةُ الفاردُ في معناهُ، اللغويُّ المِفَنُّ سعد مصلوح -ومِن تعليقٍ له استللْتُ ما بين المنصصتيْنِ-، صياغةً مِنْ أرفَعِ ذرا البيانِ، وكساها من حُلَلِ البلاغةِ وسُموِّ اللفظِ أزهاها، وجالَ بالقارئِ في مسرحِ الذكرياتِ المُمازِجةِ للأرواحِ، المخالِطةِ شغافَ القلوبِ، حتى كأنَّا أُحضِرْناها، للهِ ما أبهى وما أجملَ، أطالَ اللهُ طيلَتَه وحرسَ مهجتَه !
  • ثم أَتْبَعها الأستاذ الدكتورُ، العلَمُ المُبرَزُ في اللسانيات وعلومها، خالد فهمي، بمقدمَةٍ أخرى ذاتِ مكانٍ رفيعٍ، ومنزلةٍ سامقةٍ، طافَ أستاذنا بالكتابِ فاستخلصَ جُمَلَ أفكارِهِ واستنبَطَ منهُ ما يروي بهِ القارئَ إلمامًا بمحتواهُ، ولمسًا لِوظائفهِ، وفحصًا ناقدًا لما فيهِ، والأستاذُ الفاضلُ مؤتًى، له قلمٌ عالٍ وبيانٌ ساحرٌ وحجةٌ راسخةٌ، فكانتْ مقدمتَا الكتابِ قلادتيْنِ يزدانُ بهما، ويباهي بحُسنِهما جاراتِهِ من بناتِ القرائحِ !
  • ثم رَقَم المؤلف إهداءً لطيفًا بين يديْ كتابِهِ، إلى روحِ أستاذِهِ وشيخِهِ، الذي كان الكاتبُ مريدًا بين يديْه السنينَ ذواتِ العددِ .
  • ومن هنا، تُبدأُ رحلةٌ طويلةٌ، ممتدةُ المسافاتِ، كثيرةُ المحطاتِ، سهلةُ الدربِ ليس فيها وعورةٌ ولا مشقةٌ، تمتطي -أيها القارئُ الحصيفُ- ظهرَ مخيِّلتِكَ، وتطوي الزمانَ القهقرى لِتعيشَ ساعاتِها لحظةً لحظةً، فلا تحملْ همَّ الزادِ والمتاعِ، ولا يَشْغلْ بالكَ المنزلُ والسكنى، فقد كُفِيتَ ذلك كلَّهُ !
  • كان (المريدُ.. في صحبةِ عبدِ الحليمِ عويس)، وكنتُ ثالثَهما في مُلاوةٍ من الوقتِ، عكفتُ فيها على هذا الكتاب الباذخِ، أقلِّبُ صفحاتِه، وأطوي أخبارَه، فينتشرُ مع كلِّ صفحةٍ أريجٌ ذكيٌّ يملأُ الروحَ نشوةً وسرورًا، من عبَقِ الذكرى وعبيرِ الشجنِ والحبِّ، في لحظةٍ من الزمانِ، كان عبد الحليمِ عويس حلمًا أو طيفَ خيالٍ، وفي لحظةٍ أخرى جاءَ الحلمُ كَفلق الصبحِ، وفي لحظةٍ ثالثةٍ، امتدَّتْ أواصرُ المودَّةِ بين”الحلمِ” و”المريد”، وأضحتِ وشائجُ العلاقةِ بينهما متينةً قويَّةً، ربما كانت أشدَّ متانةً مما ينبغي في أحيانٍ، لكنها لمْ تضعُفْ، ربما ارتختْ قليلًا، مرتينِ في الدهرِ، ثم عادتْ أوثَقَ ما كانت .
  • بأسلوبِهِ السهْلِ القريبِ، الممْتِعِ الجذَّابِ، يقصُّ الأستاذ وليد كساب على قرَّائِه ما شاءَ له الحبُّ وألهمَهُ الجمالُ، من أخابيرِهِ مع أستاذِه عبد الحليم، وأشياءَ مما كان بينهما مذْ وقعَ أولُ لقاءٍ بينهما، حيثُ أُعجب عويس به سريعًا جدا، واتخذهُ صاحبًا ومريدا، وكان لهُ أبًا معَ أبيه، وصفيًّا حميمًا على حينِ قلَّ الأصفياءُ في غابرِ الزمانِ .
  • شخصيةٌ غريبةٌ، قليلةُ النظيرِ في دنيا الناس، في صدْقِه وأريحيَّةِ كرمِهِ، وسخاءِ يدهِ، وبذْلِهِ ما وَسِعَه لِمَن احتاجَ إليه – أو لم يحتَجْ ! -، وبسْطةِ نفْسِه الشفيفةِ، وتواضعِهِ الجَمِّ، وخدمته لكل مَن يلقاه حتى لطلابه، وحَزْمِهِ المُرْهق، وانضباطِهِ الدقيقِ، وذوقِهِ الغريبِ، وزهدِهِ الرفيعِ، وصلابتِهِ في أمرِه، وسرعةِ أوْبتِه إلى الحقِّ متى ظهر له، وبِدارِهِ بالاعتذارِ إلى من كان بينه وبينه شيءٌ، ولو كان الآخر هو المخطئَ أحيانا، ودأبِهِ في العملِ ونشاطِه، وحمْلِهِ همومَ الناسِ على عاتقيْهِ كأنه خُلِقَ لهم كفيلًا، وما شئتَ أن تبصرَ فيه من خصلةٍ مُعجِبَةٍ وأخرى غريبةٍ .
  • ومن تعاجيبِهِ: أنه كان يُعْنتُ مريديه وأضيافَهُ بحَمْلهم على الأكلِ ولو بالكرْهِ منهم، وقد كان يقومُ بجمهرةٍ من الطلابِ والمحبِّينَ، لو قامتْ بهم منظمةٌ متكاملةٌ لَأعجزها الأمرُ، فيحفدهم ويوسعهُم بذلا وعطاءً، ويُسْهم في زواجِ مَن لم يتزوج منهم، يبحثُ بنفسه عمن تصلحُ للارتباط بهم، وللأستاذ وليدٍ في هذا البابِ مواقفُ طريفةٌ، لم تفلح محاولات الدكتور عويس كلها في إنجاحِ زيجةٍ واحدةٍ منها ! كما أن الدكتور المرحومَ كانت له أطوارٌ غريبةٌ، كان فيها صعبَ المِراسِ، لو ذهبتُ أسردُ أخبارَها من الكتابِ لَطالَ المقالُ جدا، ولكنْ في حكايةِ الحالِ ما يغني عن المثالِ!
  • الكتابُ خليطٌ فاخرٌ، سيرةٌ غَيْريَّةٌ، يرتفعُ في أثنائها صوتُ الذاتيةِ كثيرًا، فهِي مزيجٌ بينهما! وفيه حشْدٌ من أسماءٍ كثيرةٍ جدا، لأشخاص ومواضعَ، ومؤسساتٍ ومنظماتٍ، ومنجزاتٍ ومؤلفاتٍ، لكلٍّ منها وظيفتُه في سطورِ الكتابِ، وقد أَشْرَكَ الكاتبُ في وَضْعِ لبناتِ كتابِهِ كثيرا من الناس، كانت لهم حكاياتٌ وأشجانٌ مع الدكتورِ عبد الحليم، وله معهم مواقفُ وأحاديثُ، مضحكةٌ أحيانًا، حازمةٌ في أخرى، وباكيةٌ في بعض الأوقاتِ !
  • ومن أعظمِ مَيْزاتِ مولانا وليد، مع سلاسةِ قلمِه ووضوحِ بيانِهِ، انطلاقُهُ مع سجيَّته، لا يتكلَّفُ شيئا، ولا يلوي شدقَيْهِ بالكلامِ ليًّا، بل يسردُ الحواراتِ -مثلا- كما وقعتْ، بعاميتها البهيجةِ، وروحها المرحةِ، على أنه ضمَّ بين دفتيْ كتابهِ نفثاتٍ بيانيةً عاليةً، وبلاغةً في كثيرٍ من أنحائهِ، يجاوزُ بها الثريا رفعةً وتحليقًا، وكانت الفكاهةُ وخفةُ الروحِ تسري في أوصال الكتابِ من أولهِ إلى أواخرهِ، وكثيرًا ما ضحكتُ ملْءَ فمي، ولو رآني أحدٌ من الناس، لقال: مجنونٌ! وفي فصْلٍ من فصول الكتابِ، أعنَّه المؤلف بعنوان: القطيعتَيْنِ، ألفيتُني وأنا أنتفضُ من هولِ ما تصوَّرْتُ مشاهدَ الفصلِ، كأني أنا الذي مسَّتْني نارُ تلك القطيعتين، حتى انطفأَ ضِرامُها وخَبَا أوارُها، واستحالتْ إمعانًا في الوصالِ والمحبةِ!
  • لكني، واللهِ، لم أقدرْ على كفِّ دموعي عند منتهى فصلِهِ الخاتمِ، يبكي وليدُ وهو يرى ما لا عهْدَ له به، الجبلُ الصامدُ أمام عاتي الأدْواءِ يهتزُّ اليومَ، يبكي عبدُ الحليمِ، فتبكي روحي معهما، حتى ذوى الرجلُ، وأسلمَ الروحَ تنطلقُ في سبيلِها نحوَ السماءِ، فوجدتُني أبكي بلا شعورٍ، يخونني الدمعُ من شدةِ الحزن، مع أن الوصفَ ليس بذلكِ الغارقِ في الأسى، لقد عشتُ في هذه الصفحاتِ عشْرَ سنواتٍ، عبدُ الحليمِ شيخُها، ومُريدُه وليد، وأنا صاحبُهما، فما لي لا أبكي وقدْ التحقَ شيخُنا بموكبِ الخالدينَ، وخلَّفَنا وراءه نصارعُ دنيانا وتصرعنا ؟!
  • لا أزعم أني أحطت بعمومِ مؤدَّى الكتاب، ولكنْ حاولتُ جهدَ المُقِلِّ أن أصفَ تأثيرَه في نفسي، ولعلي قاربتُ . الكتاب كله يقع في مئة وبضعٍ وستين صفحة، وفي آخره : تعريف بالشيخ، وعرضُ أقوالِ طائفةٍ من محبيه، وتعريفٌ بالكاتبِ، الأديبِ الأريبِ، المريدِ : وليد كساب، الذي لا توفيه حقَّهُ هذه السطورُ المتواضعةُ، كفاءً لِما أتحفني بهذا الكتاب الفاخرِ، الذي استحوذَ عليَّ فلمْ يُسلِمْني حتى فرغتُ منه!
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى