مقالات

كأن القرآن يتنزل من جديد (8)

يقول تعالى: (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۚ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا).

هذا موضع من أشرف مواضع الذكر الحكيم؛ لأنه يتناول بالضبط أشرف موضوعات الكتاب العزيز،وهو موضوع الإيمان بالله الواحد الأحد.

الآيات تقرر أن أعلى وظائف الكتاب هي دفع الناس بعيدا عن انتقاص الله تعالى. وهو دفع دائم متجدد بقرينة صيغة المضارعة في الفعل (ينذر).

والآيات تقرر أن الطوائف المتورطة في هذه الجريمة متحركة قابلة للخصم منها وقابلة للزيادة عليها؛ قوله تعالى: (الذين قالوا اتخذ الله ولدا) لا تعين طائفة وإنما تذكر قولهم وعقيدتهم وهو ما يسمح بالخصم من هذه الطائفة عندما يلامس الإيمان والتنزيه قلوب نفر منهم. وهي كذلك قابلة للزيادة فيها لمن يتورط فينسب لله ما ليس يصح نسبته له مما ينفيه عن نفسه سبحانه.

هذه الآية تحرم كل انتقاص من الله بكل سبيل. والقول هنا كلام لسان. والقول لسان يد تخط. والقول هنا عمل جارحة تتحرك تشير. والقول ما شئت من سبل التعبير.

وكل هذي الدلالات مركوزة في المعاني المعجمية للفعل :قال.

والآية هذه أمر بتنوع البيان عن الله فيما يكشف عن تعاليه وتنزهه وكماله وجلاله وجماله.

وقد فهمت الأمة ذلك الأمر فأخرجت علم الإيمان. ثم فهمت ذلك الأمر عندما تغير الظرف وهجمت أتربة اليونان فأخرجت علم الكلام. ثم فهمت الأمر ذلك فأخرجت نسقا جديدا من معالجة العقيدة من منظور العلم التجريبي. والأمة مأمورة اليوم أن تطور علم مقارنة الأديان دفاعا عن الله تعالى. والأمة مأمورة أن تتوسع في تطوير أدب الجدل وأدب الدفاع معا.

الآية تنبئ عن وجه من وجوه الإعجاز ساعة تنبئ عن وجوه من الغيب الماثل في استمرار الزحف المدنس على العقيدة في الله.

وساعة تنبئ عن تجدد هذا الزحف المدنس.

إن كل تهاون في السخرية من عقيدة المسلمين هو اقتراب من انتقاص الله تعالى. وإن كل نفور من طقوس الإسلام هو قابلية للردة والارتكاس في حفر الكفر بالله.

الآية توشك أن تكون أمرا صريحا بضرورة التوسع في صيانة العقيدة في الله. وضرورة التوسع تأسيس منهجيات بيان سقوط قول الذين يقولون في الله ما ينفيه الله عن نفسه.

والآية قرينة في تجريم المعالنة بهذا القول من أي طريق من طرق الإعلان.

الآية نص في تجريم الدراما التي تنسب لله ولدا.ونص في تجريم الرسوم التي تنسب لله ولدا.وفي تجريم الصناعات الفنية والجمالية والتراثية التي تنسب لله ولدا.

والآية نص في تجريم أي من مظاهر الدعاية المادية التي تتضمن نسبة الولد إلى الله تعالى.

والآيات لا تكتفي بالنذارة المتجددة وما ينتج عنها من سقوط قول الذين يقولون في الله ما ينذرهم بسببه.

الآية تعالن بكذب هؤلاء. والتصريح هنا مع تضمن آية النذارة مضمون آية رمي القائلين في الله ما لا يرضاه بالكذب منهج قرآني يتوجه لمناطق الخطر بالتصريح والإعلان والمداهمة لكي يكون لأحد حجة.

الآية ترمي القائلين بالجهل وتنفي عنهم العلم. والعلم الذي تنفيه هو العلم الضروري. والعلم الذي تنفيه عنهم هو العلم من كل وجوهه .

والآية ترمي القائلين بالكذب الحصري. وتغلق الباب على أي احتمال آخر وهو ما يحققه الحصر بإن النافية ولا الاستثنائية في قول الله تعالى : (إن يقولون إلا كذبا)

نفي العلم قريب من إثبات الكذب للفريق القائل بما يقول من بهتان لكنه حصار لهم من كل سبيل ليدمغهم القرآن بكل صنوف التخلف وفقدان العقل والعلم ومجانبة ما يكون به الإنسان إنسانا.

الله ليس كذلك.. الله منزه عن ذلك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى