مقالات

مفهوم “الشّرعية” و”ولي الأمر”

Latest posts by د. علي السباعي (see all)

إن من أكبر الإشكاليات التي تفرض نفسها على الواقع الليبي مصطلح “الشرعية” ومفهوم “ولي الأمر”. وقد كنتُ في وقت مبكر من ثورة 17 فبراير احذّر من إصباغ الشرعية على “مصطفى عبد الجليل”، ووضع الثقة المطلقة به، وكنت أفعل ذلك تصريحا وتلميحا، وكنتُ على يقين من أنه سيطعن الثورة في مقتل، وصنيعي هذا لم يكن ذكاء مني أو اطلاعا على الغيب، إنما نموذج “عبد الجليل” موجود في التاريخ، والمستعمر قد صنع لنا نماذج كثيرة جدا تخدم غرضه وسياساته تشبه نموذج “عبد الجليل” إلا أننا لا نعتبر من التاريخ. ولا أعرف شخصا مؤثرا في تلك الفترة إلا وتحدثت معه في هذا الموضوع، وكثير منهم لا يزال على قيد الحياة، وما خاب ظني فيه، فهو النكبة الكبرى لفبراير، ومن أكبر كوارثه أمران، الأمر الأول أنه نشر مفهوم “العفو” الخاطئ بين الثوار المنتصرين وبين بقايا النظام المنهزمين، بل هو شخصيا من جعل فبراير يتغلغل فيها أتباع النظام السابق، والأمر الثاني أنه كان من أكبر داعمي “تحالف محمود جبريل” والذي كان مشروعه مشروعا انقلابيا من أيامه الأولى. واليوم يرى الناس ظاهرا جليا أين يقف ويصطف مصطفى عبد الجليل، وحسب عبد الجليل من السوء أن يكون من أكبر مناصري مجرم الحرب “خليفة حفتر” بل ذهب به الانحراف أن يرشّحه لرئاسة ليبيا بعد كل جرائمه وأفعاله الشنيعة.

ولاشك أنّ لعبد الجليل طريقته الخاصة في اختراق وكسب من حوله، ومن أكثر الأساليب فتكا بالناس عموما، وبالمتدين خصوصا، إحسان الظنّ بمن يظهر التدين، كصوم الاثنين والخميس، والسجود في الساحات، والبكاء عند تلاوة القرآن ونحو ذلك. وغنيّ عن القول، أن مصير الناس، في عقائدهم وأعراضهم وأموالهم وتصوراتهم ومستقبلهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وغير ذلك، لا يمكن على الإطلاق أن نسلمه لمن يذرف دمعة، أو يسجد سجدة، أو يحضر مسابقة للقرآن، بل هو عقد بين الناس وبين من سيقودهم، يُشرف على هذا العقد العلماء وأهل العقل والرأي من المثقفين وأصحاب الشوكة، فالموضوع متعلق بعقد، واضح الشروط والبنوذ والواجبات والحقوق، ولا علاقة بهذا العقد، من قريب أو بعيد، بالعواطف والمشاعر فيه، فقد يكون من سينفذ هذا العقد، فاسقا في ذاته، كشارب للخمر، أو متهاونا في بعض حقوق ربّه، وهو مقدّم على غيره في قيادة الأمة من العبّاد والزهّاد إذا كان ملتزما بتنفيذ بنوذ ذلك العقد. وهذه القضية، مع وضوحها وظهورها، إلا أنّ العالم الإسلامي مبتلى بالوقوع في هذا المطبّ، فالمتأمل في كبار المجرمين من الحكّام كجمال عبد الناصر وكمال أتاتورك والقذافي وبن علي وعبد الجليل وغيرهم، كلهم بلا استثناء رفعوا شعار التدين بادئ الرأي، فتنقاد لهم الشعوب والجماعات وأهل الرأي والفكر في الغالب، ثم ما يلبث أن ينقلب هؤلاء على شعوبهم حربا وتنكيلا وإجراما. ومع وضوح ما تقدم إلا أننا نرى بكل وضوح استمرار هذه النماذج في أمتنا، ومما يزيد الطين بلة بروز “التيار المدخلي” الذي من صميم منهجه إسباغ الشرعية على كبار المجرمين حتى لو لم يظهروا التدين وذرف الدموع!.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى