مقالات

كأن القرآن يتنزل من جديد (7)

يقول الله تبارك وتعالى: (قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا).

هذا موضع عزيز من القرآن العظيم يلخص غاياته ووظائفه في الوجود.

تفتتح الآية ببيان خصيصة جوهرية في الكتاب تحملها اللفظة النورانية (قيما)، التي تختزن حمولات دلالية مكتنزة بالنفاسة والعلو والصحة والبريق والنفع الخالص وما شئت من معاني الغنى والوفرة والنفاسة الذاتية.

وهي خاصية مذكورة بعد خاصية تقرر صيانة الكتاب العزيز من أي تحول نحو الأعوجاج.

ثم تدخل الآية إلى بيان وظيفة الكتاب العزيز الحائز صفات التعالي جميعا والحائز صفات النفاسة جميعا- في الوجود من طريق صريح لا لبس فيه باستعمال حرف التعليل الداخل على الفعل المضارع المتجدد (لينذر).

والنذارة تحذير، والنذارة تخويف، والنذارة شفقة بالخلق من تنكب طريق الإيمان، والنذارة رحمة الله المبصرة بمستقبل مرعب للعصاة، والنذارة عين النصح، والنذارة عين القيام بحقيقة الربوبية التي ترعى الخلق من باب طلب سلامتهم.

ومادة ما منه النذارة هي البأس الشديد بالتنكير ليعظم الخوف من عذاب الله تعالى. والبأس مجتمع المقابح جميعا، والبأس حرب من الله، والبأس نيران الله، والبأس جوع الدنيا والآخرة، والبأس خوف الدنيا والآخرة، والبأس تسلط الجبابرة في الدنيا والزبانية في الآخرة، والبأس ذل الدنيا والآخرة، والبأس فقدان الأمن في الدنيا والآخرة، والبأس ما لم يخطر ببال مما هو من عذابات الدنيا والآخرة.

ولكن الآية تفتح الباب وسيعا لبشارة المؤمنين. وهي بشارة متجددة ( ويبشر المؤمنين).. والبشارة مجتمع مكتنز بالبهجة.. والبشارة الأنباء السارة.. والبشارة صناعة البهجة.. والبشارة حياطة المؤمنين بما يسعدهم ويؤمنهم وينجيهم ويمتعهم ويرضيهم ويشبعهم ويرويهم.. والبشارة تجلبها صناعات الخير وصناعات الصالحات.. والبشارة نواتج حركة راضية عن الله.. والبشارات نواتج حركة بما يحب الله.. والبشارات رحمة الخلق بالخلق ونواتج تأمين الخلق للخلق. ونواتج طعمة الخلق للخلق. ونواتج جبر خواطر الخلق للخلق. ونواتج بر الخلق بالخلق.

وفي الآية إهمال لذكر الذين ينذرهم الله مما يسميه الدارسون بالحذف. وهو حذف احتقار للمنذرين وحذف فتح لباب الأمل لينتقل من يعقل منهم إلى صفوف المؤمنين.. والآية تقديم لأهل البشرى (أن لهم أجرا حسنا)

وفي تقديمهم نوع كرامة ونوع عناية ونوع إسراع بتعجيل المسرة.

وفي اجتماع النذارة والبشارة في الآية صناعة عموم من جهة استثمار طباق الاستغراق الذي يعالن بأن الكتاب العزيز قانون لإدارة العالم ويعالن بأن في القرآن مادة صلاح العالم وفي مخالفته مادة خراب العالم.

لقد جمعت هذه الآية الجليلة صنوف مصائر الخلق جميعا، وبينت أن النجاح مرهون بتصديق الكتاب القيم وان الخسران مرهون بالركون إلى غير منهج الكتاب العزيز.

والآية نص في منح الفرصة للتحول إلى الطريق المنتج للبشارات.. الآية نص في الترغيب في الاستمساك بالكتاب العزيز .. والآية نص في التحفيز والإقناع بجدوى الاستمساك بالكتاب العزيز.. والآية نص في الترهيب لمن يبتعدون عن منهجيات القرآن الكريم.. والآية نص في أن الكتاب العزيز اعذر الناس جميعا، وفتح باب الأمل في تغيير الحياة للجميع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى