مقالات

كأن القرآن يتنزل من جديد (6)

يقول الحق تبارك وتعالى : (وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا).

هذه آية جليلة القدر جدا، رحيمة جدا، مثبتة جدا.

الآية تقرر أن الله تعالى رحيم بالضعف الإنساني عند هجوم الخطر الخارجي كما هو رحيم عند تفجر الخطر الذاتي الداخلي وهو ما يؤكده استعمال التعبير (ربطنا على قلبها) في سياق رحمة الله لام موسى عليه السلام ساعة تفجر الخوف من فؤادها على وليدها.

الآية تقرر أن الله بما هو خالق القلوب هو المتحكم فيها يزرعها ببساتين أمان عند هجوم المخاوف والمعاطب.. والآية تقرر أن الربط على القلوب تثبيت، وأن الربط على القلوب حفظ، وأن الربط على القلوب صيانة، وأن الربط على القلوب تفريغها من الخوف من الظالمين، وأن الربط على القلوب عمر أنها بربها.

والآية تدل على أدلة الثبات والاطمئنان فتقرر أنها كامنة في معجم الإيمان الذي نطقوا (إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض)، وكامنة في الحركة وفق موجبات الإيمان (إذ قاموا)، وكامنة في الاستمساك بحقيقة الإيمان واستجماع أدلته في القلب وجريانها على اللسان والجوارح، والعيش بها والتصرف بمقتضاها.. وكامنة في الكفر بكل دعاية لغيره، والكفر بكل ما يعانده.. واستقرار العلم والفهم والشعور على أن ما عداه باطل وغرور وغلو وتباعد عن عين الحق وجهل فاضح وتورط بغيض في الكذب بالعلم.

هذه الآية برهان على أن من طلب النجاة من طريق الله ومن طريق التلطف في زمان هجوم الكفر نجاه الله وعصم الله علمه وثبت قلبه ورحم بدنه وجنانه.. الآية توشك أن تكون نصا في ضرورة التوسع في دراسة تاريخ حفظ الله المؤمنين على الدوام، وتوشك أن تدعو لتأسيس فرع مستقل في التاريخ بعنوان تاريخ الرحمة الربانية بالإنسانية المؤمنة المستضعفة، وتوشك أن تكون نصا في التفنن في تطوير ما به حفظ القلوب في زمان الفتن وهجوم الشرور، وتوشك أن تكون نصا في الأمل وبث روح التفاؤل في ضمائر الذين يخشون على إيمانهم في كل زمان.

والآية تدخل إلى إثبات الإلوهية لله من باب دليل انعدام الادعاء بنسبة خلق السماوات والأرض له من دون منازع ينازعه ويدعيها معه.

ثم إن هذا الادعاء الخالص السالم له سبحانه دليل آخر يملؤ القلوب الواجفة باليقين والأمان لأنه قائم على استغراق ملك الله لما في الوجود بموجب طباق الاستغراق في قوله تعالى (ربنا رب السماوات والأرض) ومادام هو ربها فلن يتحرك مخلوق فيها بالتعرض لمؤمن به إلا بمشيئة منه وبعلم منه ولمراد له.

والآية تشير إلى طريق النجاة وتقرر أن اللجوء للرب سبحانه طريق عاصمة من المخاوف (لن ندعو من دونه إلها).. والآية تقرر أن استجماع أدلة إلوهيته وقيوميته طريق حسنة لمن يقوى على تحصيلها وتحقيقها وتأسيس ذلك التحقيق على الوعي بتهافت الآلهة المزعومة التي تسميها الآية شططا وغلوا وجهلا يباعد معتنقوها عن طريق العلم بالله العلي.

إن رحمة الله تعالى تتجلى ربطا على القلوب المثخنة بالمخاوف، وتتجلى بردا وسلاما على القلوب الواجفة المعذبة، ربنا اربط على قلوبنا وقلوب الخائفين من حولنا، ربنا ونجنا كما نجيت الفتية المؤمنة من القوم الظالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى