مقالات

كأن القرآن يتنزل من جديد (5)

يقول الله تبارك وتعالى: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا(.

هذا موضع نفيس من الكتاب العزيز، وبعض نفاسته مرجعه إلى تكرر الأمر به في غير موضع من القرآن العظيم وتنوع طرق هذا الأمر وتنوع صيغه.

الآية تأمر أمرا صريحا بتلاوة الكتاب العزيز.. والتلاوة حزمة من رعاية التعامل الإيجابي مع القرآن الكريم.. التلاوة جودة أداء حروفه وكلماته وجمله.. والتلاوة حسن التأتي لوقوفه ومجمل النطق به.. والتلاوة حسن فهمه وتدبره بموجب قوله تعالى (يتلونه حق تلاوته).. والتلاوة العمل به وتنزيل مراداته في واقع الخلق وحياتهم وتشغيله في جنبات الوجود وتشغيله لإقامة الحضارة.. والتلاوة مجتمع كامل من عكوف الأمة على كتاب ربها ليكون المسير لحركتها في الحياة.

والدعوة إلى الاشتغال بحزمة أوامر التلاوة جاءت موجهة منصبة على ما عبرت عنه الآية الكريمة بـ(ما أوحي إليك من كتاب ربك)وهذا المفعول يحمل تعليلا للأمر بالتلاوة تتضمنه جملة الصلة.

وجاهة الأمر مرجعها إلى أن المأمور به حاز درجات الكمال المتناهية لأنه وحي السماء.. ووحي السماء أسمى درجات الوثاقة وأسمى درجات العلم.

وجاهة الأمر مرجعها إلى أن الوحي يتحرك بأسمى مطالب الخير للأرض ذلك أن الكتاب في الآية معرف بإضافته إلى الرب.. والرب لفظ يختزن كل دلالات التنعم على الخلق والتربب لهم والرعاية لحاضرهم ومستقبلهم.

ووجاهة الأمر مرجعها إلى أنه وحي مؤسس للحضارة ومؤسس لما به ترقية الإنسانية ومؤسس لجودة إدارة شئون العالم كله.

والآية تأمر ببذل ما به تمكين الخلق من التلاوة وتيسير صناعة المصحف والتوسع في معاهد تعليمه وتكريم العاملين في بذله.. والآية تجرم فعل من يضيقون على الذين يتلون الكتاب.. وتجرم الذين يحاربون معاهد التلاوة.. وتجرم الذين يشقون على من يطلب تعلم التلاوة وتجرم كل أشكال التعسير على من يطلبون تعلم التلاوة.. وتجرم كل تخويف لأهل الإقبال على التلاوة.. وتجرم تقليص المقارئ.. وتجرم محاربة الأشكال التي ابتكرتها لتعليم التلاوة منا يسميه الناس بالكتاتيب أو المكاتب أو المجالس أو المقارئ أو ما كان من التسميات.

الآية تشجع كل حفاوة بالتعلق بالقرآن الكريم من أي جهات الحفاية.. وتدعم كل صناعات الحفاية بالمصحف طباعة وجمالا وحمالة واثاثا لهذه الحمالات.. والآية تجعل كل تضييق على مجتمع التلاوة جريمة هي في حقيقتها صد عن سبيل الله وسعي إلى تقويض الحضارة.

والآية تشجع مجتمع المقبلين على تلاوة الكتاب العزيز بإقرار الثقة فيه والاطمئنان إلى ما فيه وثباته (لا مبدل لكلماته) وهذا تعبير باعث على الاطمئنان لأنه يبشر بحفظ الله تعالى لكتابه ويبشر بحيازة الكتاب لأسباب قيمته في ذاته.

والآية توشك أن تكون نصا في تقرير حقيقة نجاعة مقررات الإصلاح التي تستصحب حقائق القرآن لأنه (لن تجد من دونه ملتحدا) على دلالات الملتحد جميعا؛ مهربا كانت أو ملجأ كانت أو ما شئت من معانيها.

الآية توشك أن تكون نصا صريحا يقرر أن صلاح الأمة مرهون بتفعيل منهجية التلاوة الكاملة.. وتوشك أن تعالن بأن كل استيراد لمنهجيات الإصلاح تنكب للطريق وخذلان للكتاب العزيز وخيانة لمطالب الوحي وضرب في مسارات التيه والضلال.

الآية ضمان لإصلاح الحال وضمان لإصلاح المستقبل والمآل بموجب (لن) التي لنفي المستقبل؛ وهو ما يعني بقاء الموثوقية في منهجيات القرآن في البناء والإصلاح.. والآية عند الجد تدفع إلى صناعات معرفية مجتمعة يجب أن تدور حول الكتاب العزيز.. والآية في عبارة موجزة تقرر أن بلوغ الكمال الحضاري مرهون بالدوران حول حقائق الكتاب العزيز.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى