مقالات

الإمام البخاري (4)

Latest posts by حمدي شفيق (see all)

ولم يقتصر البخاري على الجهاد العلمي، وما بذله فيه جهود هائلة، بل شارك أيضا فى الجهاد ضد أعداء الإسلام. ويقول معاصروه أنه كان راميًا ماهرًا، نادرًا ما يخطئ سهمه الهدف.

وذات يوم أصاب سهمه وتد قنطرة على نهر فكسره، فأرسل إلى صاحب القنطرة،طالبًا منه السماح له بإصلاحه على نفقته،و كان صاحبها من أهل العلم،فرد علي البخاري قائلًا: “بل القنطرة وجميع ما لي فداء لك “ففرح البخاري بسماحة الرجل وعفوه، وتصدق بمئات الدراهم،وأملى على تلاميذه في ذلك اليوم خمسمائة حديث.. وكذلك بني رِباطًا -قلاعًا وتحصينات- على حدود بلده-بخارى-من ماله الخاص، وشارك بنفسه فى بنائها.

واجتمع عدد كبير من الناس لمعاونته فى البناء، وطلب منه بعضهم أن يستريح من العمل معهم بيديه، فأبى إلا أن يحمل الطوب معهم، حتى لا يحرم نفسه من الثواب العظيم.. ويُروى أنه أعد لهم طعامًا، وكان قد اشترى خبزًا قليلًا-بثلاثة دراهم،فأكل معه ما يزيد عن مائة من العمال حتى شبعوا، وبقى طعام كثير، وتلك كرامة ظاهرة.. وكان رضي الله عنه مستجاب الدعوة، وقد عاين بنفسه استجابة الله تعالى له -فى الحال- فامتنع بعد ذلك عن طلب شيء من ربه -من حاجات الدنيا- خشية أن ينقص من حسناته. ومن صفاته العطرة كذلك أنه كان يتجنّب الغيبة والنميمة تمامًا، حتى في الوصف الضروري لأحوال رواة الأحاديث -لبيان ما إذا كان الراوي صالحًا للنقل عنه أم لا- كان البخاري يكتفي بقول عبارات غير جارحة، مثل “سكتوا عنه” أو”تركوا حديثه” أو”رماه فلان بالكذب” وفى هذا الوصف الأخير ليس هو من يتهم الرجل بالكذب،بل شخص آخر،و كل ما فعله البخاري هو إثبات هذا الوصف -للأمانة العلمية- فإنه لا يجوز كتمان حال الراوي بحجة تجنّب الغيبة، وهذه من حالات الضرورة، حتى لا ينخدع الناس بشخص كاذب، فينقلوا عنه موضوعاته، التي ينسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفى هذا ما فيه من ضرر وبلاء عظيم.

وعن زهد الإمام حدّث ولا حرج. إذ كان مُكتفيًا معظم عمره بملابس بسيطة، وكان طعامه الخبز فقط لا غير. وكان يتصدّق بمعظم ما يأتيه من ثمار أرضه، وكثيرا ما كانت نقوده تفنى،فكان يأكل الحشائش،حتى لا يسأل أحدا شيئًا. وكان ربّه الأكرم يرسل إليه من يعطيه مالًا بلا طلب ولا سابق معرفة، وهى كرامة أخرى.. ولم يعلم من حوله بزهده وتقشّفه، إلّا في أواخر حياته،عندما فحص طبيب بوله، وأخبرهم أن هذا الإمام لا يتناول سوى الخبز،فألحّ تلاميذه عليه أن يأكل معه شيئًا، فأضاف قطعة من السكر إلى الخبز! وهذا حال كُل عالم عامل، يشغله السعي إلى الآخرة، وطلب العلم ونشره عن حطام الدنيا الفاني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى