مقالات

هل نقفز من السفينة؟

Latest posts by مجاهد ديرانية (see all)

يُحكى أن قوماً اشتركوا في سفينة وأبحروا بها في بحر لُجِّي هائج اضطربَ سطحُه واصطخَبَ موجُه، فما لبثت جماعةٌ منهم أن اختارت قبطاناً ونشرت الشراع ووجّهت السفينةَ إلى الشرق، ثم قامت جماعة ثانية فاختارت قبطاناً آخَرَ وحركت المجاديف ووجهت السفينة إلى الشَّمال، وقامت جماعة ثالثة فاختارت قبطاناً غير الأوّلَين وركّبت محركاً بخارياً ووجهت السفينة إلى الغرب، ثم تعلقت بالسفينة ثُلّةٌ من القراصنة ففكّت المحرك وشقّت الشراع ودقّت المجاديف ووجهت السفينة نحو الجنوب.

فقام بعض ركاب السفينة فقالوا: إن الزاد قليل، وإن اختلافكم يُطيل الطريق ويهلك الركب؛ ابحثوا عن أقرب أرض تصلح للحياة فألقوا فيها المراسي ودعونا ننزل إلى بَرّ الأمان.

قال الفريق الأول: لا نرضى بغير الميناء الشرقي محطةَ وصول. قال الفريق الثاني: ميناء الشمال خير منه، وهو خيارنا الوحيد. قال الفريق الثالث: بل الغرب هو المقصد المطلوب. قال الأخيرون: نحن ما ركبنا مركبكم إلا لنصل إلى ميناء الجنوب، وسوف نمضي إليه ولو كان في أقصى الأرض. سنأخذكم إليه راغبين أو نفرضه عليكم راغمين، ولو غرقنا وغرقتم معنا فهو خيرٌ من رُسوّ آمن في شرق وغرب وشَمال.

وما تزال السفينة تتخبط في عُرْضِ البحر الزخّار.

 بعد هذه “الحكاية القصيرة” عن السفينة التي أسلمَها خلافُ طائفة من ركابها إلى التيه والتخبّط في عُرض البحر الزخّار، فكان السؤال: إذا اختلف الربابِنةُ والقباطِنةُ فماذا يصنع سائر الركاب؟ هل يقفزون من السفينة؟

الجواب في حديث النبي الهادي إلى الرشد والنجاة، فهو -عليه الصلاة والسلام- الذي شبّه الجماعةَ المسلمة بركاب السفينة، وهو الذي علّمنا ما ينبغي أن نصنع حينما توشك أن تتسبب حماقةُ بعض الركاب في غرقها. كلنا نحفظ الحديث، لكن الأقلّين هم الذين يطبّقون وصفته القاسية: “إن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وأن أخذوا على أيديهم نجَوا ونجوا جميعاً”.

* * *

سيقول قائل: عرفنا العلاج النبوي وأردنا اتّباعه، غيرَ أنّا لم نعرف: مَن الذي يخرق السفينة؟ أقول: إنّ مَن لا يستطيع أن يميّز بين من يخرق السفينة ومن يأخذ على يد الخارق ليس أحسنَ من الذي لم يميّز بين الجلاد والضحية، بين النظام الظالم المستبد والثوار الأحرار الذين ثاروا عليه أولَ مرة.

نعم، ما يزال فينا، في ركاب السفينة، مَن لا يحسن التمييز، بل إنّ فينا من يقف في وجه من يريد منع الخارق من الخرق، يقول: هذا راكب صالح من الركاب، لماذا تعارضه وتعاديه؟

ويلكم يا هؤلاء، اقرؤوا الحديث! لا تهمنا نيّة صاحب العمل بل تهمنا نتيجة العمل. الذين خرقوا السفينة -في الحديث- لم يصنعوا ذلك ابتغاء الشرّ، بل ابتغاء الخير الذي توهّموه؛ قالوا: “لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نُؤذِ مَن فوقَنا”. النبي عليه الصلاة والسلام لم ينظر إلى نياتهم، النيات مرجعها إلى الله يفصل فيها يوم الحساب، إنما المهم النظر إلى الأعمال، هذه هي مهمة العباد، واجبهم أن ينظروا إلى أثر العمل فيحكموا عليه، فيقبلوه أو يرفضوه. فإذا تحقق فيه الضرر وجب عليهم، فُرِض عليهم فريضةً لازمةً أن يقاوموه ويغيّروه، فالسيّئ فيهم مَن تقاعس عن مقاومة الشر وتغييره، وأسوأ الجميع هو مَن عارض الذين يريدون الإصلاح والتقويم. هذا شر الناس على الإطلاق، ويؤسفني أن أقرّر أن عندنا منهم في ركاب السفينة كثيرين.

* * *

في سفينتنا رَبابينُ وقَباطينُ يصرّون على توجيه السفينة إلى الهلاك، وفينا من يساعدهم باليد أو يدافع عنهم باللسان، وفينا من يمنع الآخذين على أيديهم من الأخذ على أيديهم ويمنع المصلحين من الإصلاح.

فإمّا أن يتكاتف أهل السفينة جميعاً ويمنعوا الخارق من الخرق، أو يقذفوه من السفينة ويكملوا رحلتهم بسلام، أو سيتحقق فيهم وَعيدُ رسولنا الكريم: “إن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً”، وإذن فلينتظروا مصيراً لا يفرق بين الذين ارتكبوا الجريمة والذين صفقوا لها وسوّغوها والذين سكتوا عن إجرام المجرمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى