مقالات

الخيار الخاطئ

توماس فريدمان
Latest posts by توماس فريدمان (see all)

“المشهد الحالي في مصر هو مشهد انكشاف لحقائق كانت خافية عن الناس خلال الفترة الماضية، ومن الواضح أن الناس أصبحت في حالة ذهول بعد انكشاف هذه الحقائق، لأنهم حين نزلوا إلى الشوارع في ٣٠ يونيو عام ٢٠١٣ لمطالبة الدكتور محمد مرسي بانتخابات رئاسية مبكرة، لم يكونوا يتصورون إطلاقاً أن تصل الأمور إلى هذا الحد من التدهور.

السنوات الثلاث الماضية كشفت أن تجريفاً كاملًا للسياسة حدث في مصر مرة ثانية، بل أصبحت السياسة تمارس الآن، وبعد ست سنوات من ثورة ٢٥ يناير الكبرى على طريقة بير السلم (تعبير شهير يطلق على المنتجات التي يتم تصنيعها من وراء ستار وبدون تصريح ، ودون ضمان بسلامة المواصفات الصحية).

فالسياسة تمارس الآن من وراء ستار وخلف الكواليس وبدون أي نوع من المشاركة أو الرقابة الشعبية وحتى في غياب الخبراء والمتخصصين ولا توجد مكاشفة من آي نوع، ويكفي أن ننظر إلى الطريقة التي أدار بها النظام الحاكم في مصر مسألة تيران وصنافير لندرك علي الفور إلى آي مدى ينطبق تعبير “سياسة بير السلم” على الطريقة التي تدار بها مصر الآن.

فهناك غموض وأسرار كثيفة تحيط بموضوع تيران وصنافير ولا أحد يعرف بالضبط لماذا اندفعت مصر والسعودية فجأة نحو هذا المنزلق الخطر. فالكل يشعر الآن أن وراء الأكمة شيء ما والتاريخ وحده هو الكفيل بهتك حجاب وأسرار ما جرى.

ومع ذلك يمكن تقديم اجتهادات ورؤى تحليلية في حدود ما هو متاح لنا من معلومات، ومعظمها معلومات صحفية وليست موثقة.

اعتقادي الشخصي أن إسرائيل تقف وراء هذه المسألة لأنها الطرف الوحيد المستفيد. وأظن أنني كنت من أوائل من تحدثوا عن هذا الأمر ومنذ فترة ليست بالقصيرة. فأنا لم أقتنع أبداً بوجود دافع مصري حقيقي ومقنع أو دافع سعودي حقيقي ومقنع يمكن أن يفسر موقف أياً من البلدين تجاه هذا الموضوع الذي تحول إلى أزمة كبيرة علي ما يبدو.

فالكل يدرك أن المسألة لا تتعلق بجزيرتين صغيرتين يمكن التنازل عنهما أو بيعهما لأسباب اقتصادية أو ترفيهية أو لمجرد التظاهر بتحقيق مكسب ما مادي يمكن لهذا الطرف أو ذاك أن يتفاخر به.

فالقضية تمس الأمن الوطني المصري في الصميم لاسيما الأمن القومي العربي ولها علاقة مباشرة بتطورات الصراع العربي الإسرائيلي وبالمحاولات الرامية لتصفية القضية الفلسطينية وفقا للرؤية الإسرائيلية. فتيران وصنافير هما الممر الطبيعي والمنفذ البحري الوحيد لخليج العقبة ومن يسيطر على مضيق تيران يستطيع التحكم في الخليج برمته، وهذه مسألة شديدة الأهمية والخطورة معاً. فمضيق تيران كان ومازال وسيظل مضيقاً يقع بالجغرافيا والتاريخ ضمن المياه الإقليمية المصرية ولا يعد بأي حال من الأحوال ممراً دولياً تنطبق عليه الاتفاقات الخاصة بالممرات البحرية الدولية.

وقد تسبب هذا الممر في إشعال ليس فقط حرب ٦٧ وإنما عدة حروب مع إسرائيل. ووجود معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل تلتزم فيها مصر بحرية مرور السفن المتجهة إلى إسرائيل لا يعني أبدا أن مضيق تيران أصبح مياهاً دولية أو أنه خرج عن نطاق السيادة المصرية. وبدون سيطرة مصر على هاتين الجزيرتين تصبح سيناء كلها مكشوفة أمنياً، وتصبح تحت سيطرة الأهواء والتقلبات المزاجية الإسرائيلية.

اختزال المسألة كلها في الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر وتبرير التصرف المصري من خلال هذه الرؤية الضيقة ينطوي على قصور وخلل شديدين. وفي تقديري أن هناك أصابع إسرائيلية حركت هذه الأزمة.

السؤال الذي يتعين أن يطرح إذن : كيف يمكن تتبع هذه الأصابع؟

أظن أن خيوط المسألة المتعلقة بنقل السيادة على جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية غزلت في إسرائيل. فإسرائيل هي التي أوحت إلى كل من مصر والسعودية بأن هذا النقل يحقق مصلحة مؤكدة للبلدين. فهو يمكن السعودية من الحصول على جائزة كبرى ويظهرها بمظهر الدولة الكبيرة المؤهلة لقيادة المنطقة، وإذا تم إسناد هذا الإنجاز إلى الأمير محمد بن سلمان وليس إلى آي شخص آخر فسوف يسهل تقديمه للرأي العام وكأنه الشاب المؤهل لقيادة السعودية بل والمنطقة كلها في المستقبل.

وكان لافتاً للنظر أن يوقع محمد بن سلمان بنفسه على اتفاقية تعيين الحدود البحرية التي وقعها رئيس الوزراء عن الجانب المصري بالمخالفة للدستور، وذلك بدلاً من ولي العهد السابق محمد بن نايف وكان هذا شيئاً غريباً. الإخراج إذن كان يستهدف وضع محمد بن سلمان في الواجهة كجزء من التحركات التي تستهدف نقل السلطة في السعودية تدريجياً إلى محمد بن سلمان ليصبح هو الملك المتوج للسعودية خلال فترة وجيزة، خصوصاً وأن هناك أحاديث متواترة عن سوء حالة الملك سلمان الصحية ورغبته في تسليم السلطة لابنه في حياته وليس بعد مماته، تجنباً للصراع الكبير المتوقع بين الأجنحة المتنافسة على السلطة داخل الأسرة الحاكمة.

غير أن النخبة الحاكمة في السعودية لم تنتبه بما فيه الكفاية إلى حقيقة أن هذه جائزة مسمومة أو قنبلة موقوتة. فحين تتسلم السعودية السيادة على جزيرتي تيران وصنافير سيطلب منها على الفور أن تتعهد لإسرائيل في وثيقة مكتوبة بسريان نفس الترتيبات الأمنية المنصوص عليها في معاهدة السلام مع مصر. فالجزيرتان يقعان ضمن المنطقة “ج” المنزوعة السلاح. وإدراجهما في معاهدة كامب ديفيد يعد دليلاً إضافياً قاطعاً على مصريتهما. فلو كان لدى إسرائيل أدني ذرة شك بأن هاتين الجزيرتين ليستا مصريتين ما كانت سلمتهما إطلاقاً لمصر وهذا يعني أن إسرائيل منذ لحظة التوقيع على معاهدة السلام كانت على يقين بمصرية الجزيرتين.

مرة أخرى السؤال إذن: ما أسباب تلهف إسرائيل لهذه الدرجة على تسليم الجزيرتين للسعودية؟

لأسباب عديدة:

أولها: أن إسرائيل ستطلب من السعودية ورقة مكتوبة تلتزم فيها بنفس الترتيبات الأمنية المتعلقة بالجزيرتين في معاهدة السلام مع مصر، سواء في شكل معاهدة أو اتفاق أو مذكرة تفاهم. إن تسليم الجزيرتين للسعودية سيتبعه على الفور توقيع إسرائيل لاتفاقية سلام بين السعودية وإسرائيل، وهذه ربما تكون الخطوة الأولى على طريق يسمى بـ “صفقة القرن”. فتطبيع علاقة إسرائيل مع السعودية سيكون مجرد بداية لتطبيع العلاقة مع كل الأقطار العربية. خصوصاً تلك التي ترى أن إيران وليس إسرائيل أصبحت هي العدو الأخطر على المنطقة.

وثانيها: أن انتزاع الجزيرتين من السيادة المصرية وفرض السيادة السعودية عليهما في ظروف تمر فيه مصر بأزمة اقتصادية طاحنة سيضع بذورا لخلافات سعودية مصرية على المستوى الشعبي يمكن لإسرائيل استغلالها في المستقبل.

وثالثها، وربما أهمها: أن مضيق تيران سيتحول في هذه الحالة إلى ممر مائي دولي، لأنه يبعد عن السعودية مسافة لا تسمح لها بالإدعاء بأنه يدخل ضمن نطاق الأراضي الإقليمية للسعودية بعكس الوضع حين تكون الجزيرتين، خاصة تيران، تحت السيادة المصرية. وبهذا يصبح الطريق ممهدا أمام إسرائيل لإقامة أي مشروعات تنافس بها قناة السويس، وهي مشروعات جاهزة بالفعل.

فلكي تمر هذه الصفقة لا بد أولاً من تدمير كل أشكال المقاومة للمشروع الإسرائيلي في المنطقة أي تدمير منظمتي حماس والجهاد الفلسطينيتين وحزب الله اللبناني والنظام السوري ونظام ولاية الفقيه في إيران. لكن قبل الشروع في هذا الأمر يتعين تسوية الأرض وتهيئة المكان، وهنا تأتي أهمية حصار قطر والتي كان يُسمح لها في الماضي بهامش من الحركة لكي يكون لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل علاقات غير مباشرة بمحور المقاومة من خلال قطر. هذا الهامش لم يعد مرغوباً فيه اليوم، خصوصاً وأن قطر حاولت في الماضي توظيفه لحسابها وللقيام بدور تجاوز أحياناً الخطوط الحمراء المسموح بها. فقد كان لقطر علاقات صريحة مع حماس وعلاقات تحت الطاولة بإيران وبحزب الله، وعلاقات كثيرة بعضها غير مشروع بمنظمات يتم تصنيفها اليوم “إرهابية”، وفي ظل التحالف الوثيق القائم اليوم بين ترامب ونتانياهو أصبحت قطر صوتاً مزعجاً يراد إسكاته. لم تكن قطر في يوم من الأيام دولة مقاومة أو دولة ثورية وإنما كانت دوماً دولة قادرة بحكم ما تملكه من فوائض مالية هائلة قادرة على أن تلعب لعبتها الصغيرة، مستغلة كل التناقضات الموجودة في المنطقة كي تفسح لنفسها مكان ولتقوم بدور أكبر بكثير من حجمها. الآن هذا الدور لم يعد مطلوباً لا أمريكياً ولا إسرائيلياً أو عربياً، خصوصاً أن إدارة ترامب تختلف عن إدارة أوباما.

هناك مشروعات وبدائل إسرائيلية كثيرة جداً مطروحة، ويجب أن ندرك أن إستيراتيچية الحركة الصهيونية، منذ نشأتها وحتى من قبل نشأة إسرائيل، قامت على فكرة التدرج وقضم كل ما تستطيع قضمه وفق ما تسمح به قدراتها الذاتية وموازين القوى الإقليمية والدولية. لذا كان لديها مخططات وبدائل جاهزة تتحرك فيها بالتوازي.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل يمكن أن تتنازل مصر عن ٧٠٠ كيلو متر مربع من أراضيها لتساعد على تسوية النزاع العربي-الإسرائيلي؟

أنا شخصياً أشك في مثل هذا السيناريو، طبعاً أنا لا أستبعد أن يكون هذا هو أحد أهداف أو أحد مخططات إسرائيل التي لن تتردد في وضعه موضع التنفيذ إن استطاعت. فإسرائيل لن تقبل بحل الدولتين قولاً واحداً، وكل المؤشرات الصادرة عن الولايات المتحدة، خاصة بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض، تقطع أنها لم تعد هي أيضاً متمسكة بحل الدولتين. موازين القوى بين الدول العربية وإسرائيل مختلة تماما لصالح إسرائيل في هذه اللحظة، ومرشحة لمزيد من الخلل في المستقبل.

المنطقة حبلى بتغييرات هائلة، فهناك أيضاً بالإضافة إلى القضايا المتعلقة المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي قضايا أخرى تبدو أكثر إلحاحاً في المرحلة الراهنة. فهناك مثلا طموح الأكراد في إقامة دولة كبرى خاصة بهم، وهذه مسألة تقلق تركيا جداً كما تقلق إيران وسوريا، وهناك حرب بين الشيعة والسنة مستعرة في مناطق عديدة باتساع الشرق الأوسط كله.

وإسرائيل تعتقد أن الوقت أصبح ملائماً لتحقيق حلمها بدولة كبرى في الشرق الأوسط تمتد من النيل إلى الفرات. لكني أعتقد في الوقت نفسه أن جذوة المقاومة في العالم العربي لم تنطفئ بالكامل. لذا فسوف تتصادم الأحلام والمشروعات الكبرى للمنطقة تصادماً عنيفاً في هذه اللحظة. فالطموحات والأحلام الإيرانية والتركية والإسرائيلية والكردية والفلسطينية تتقاطع في أمور وتتوازى في أمور أخرى لكنها لا تتطابق.

كما أنه يصعب التنبؤ بسلوك وتصرفات السيسي. ومع ذلك يمكن القول بثقة أن الأمور أصبحت تدار في مصر بمزيج من الجهل والغرور، وعندما يجتمع الجهل والغرور في مكان واحد فمن الطبيعي أن تقرع كل أجراس الخطر، وبعنف. ولا علم لدي بما إذا كانت أصوات أجراس الخطر قد وصلت إلى مسامع السيسي وأنه بدأ يتبينها ؟

لكن من المؤكد أنه إذا قام بتسليم تيران وصنافير للسعودية، دون غطاء قانوني من المحكمة الدستورية العليا، وتم رفع العلم السعودي فوق الجزيرتين، فسيتعامل معه الشعب المصري باعتباره رجلاً فرط في التراب الوطني، وسيصبح أمر سقوط نظامه مسألة وقت. فرؤية الشعب المصري للنظام الحالي أصبحت أسوأ كثيراً عن رؤيتهم لنظام الديكتاتور العتيد مبارك قبل ٢٥ يناير.

الناس خائفة والشوارع ساكنة لأن سطوة وبآس أجهزة الأمن شديد، لكن الخوف ليس معناه الإقرار أو الرضا أو الاستسلام للأمر الواقع. الحكومة تحاول إظهار عدم تحرك الشعب وكأنه نوع من القبول الضمني بسعودية الجزيرتين، وهذا ليس صحيحاً على الإطلاق، بدليل استطلاع مركز “بصيرة” وهو مركز شبه حكومي، والذي أكد أن غالبية المصريين مقتنعون تمام الاقتناع بمصرية الجزيرتين. والنخبة السياسية وكل رموز ٢٥ يناير بما فيها الرموز التي نزلت وشاركت في ٣٠ يونيو ووقفت ضد الإخوان، كلها دون استثناء أعلنت تمسكها بمصرية تيران وصنافير.

الأمر الأكثر دلالة في هذا السياق أن العديد من الرموز العسكرية المصرية أكدت مصرية الجزيرتين، وبالذات سامي عنان، الذي كتب في تغريدة له قائلا: “مصرية تيران وصنافير ليس مشكوكا فيها، المشكوك فيه هو مصرية من لا يؤمنون بمصرية تيران وصنافير”، مجدي حتاتة أيضاً والذي كان رئيساً سابقاً للأركان، وأحمد شفيق، وكل الرموز العسكرية أكدت مصرية الجزيرتين، ألا يعطينا كل هذا مؤشراً على أن الرفض قوي وقاطع وشامل، وأن هناك تململاً داخل جميع الأوساط بما في ذلك القوات المسلحة؟!

النظام نجح تماماً في القضاء على ما تبقى من المعارضة المصرية المنظمة، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار أن مصر ليس بها أحزاب سياسية حقيقية منذ عام ٥٢ باستثناء لحظات قصيرة جداً جرت فيها محاولات لتشكيل أحزاب قوية لكنها أُجهضت على الفور. هذا معناه أنه لا توجد في مصر قوى سياسية حقيقية منظمة علي الأرض. المعارضة المنظمة الوحيدة التي كانت موجودة في الشارع كانت جماعة الإخوان المسلمين وقياداتها الآن موجودة في السجون أو محاصرة. الباقي كله صالونات فكرية نخبوية أو أحزاب ورقية. للأسف لم يُمنح الشعب المصري في أي مرحلة من تاريخه فرصة حقيقية لممارسة السياسة التي تتطلب توافر الحريات ووجود مجتمع مدني قوي. لكن هناك دائماً جزء غاطس من جبل الثلج الذي لا نرى إلا قمته، فلم يتوقع أحد أن تتحول مظاهرة أو وقفة ٢٥ يناير إلى ثورة شعبية عارمة. لذا لا أستبعد اندلاع أي شرارة في آي لحظة فيشتعل الحطب الجاف الذي يغطي كل الساحات ويحدث الحريق الكبير! الهدوء الظاهر على الساحة ليس علامة رضا أو تسليم بالأمر الواقع.

مصر أقدم بلدان الدنيا وبدون موجة ثورة قادمة فهي مشرفة علي الخروج من التاريخ ولا أظن أن اختيار السيسي كان اختيارًا موفقًا.

المصدر: نيويورك تايمز

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى