مقالات

رمضان لنا لا لكم

Latest posts by عنتر فرحات (see all)

بقلم: عنتر فرحات

مثل بقية الأمم، تتميز الأمة الإسلامية أن لها من الشعائر، ما يجعلها مميزة، وذلك نظرا للمعالجة الروحية التي تعالجها كل شَعِيرَةٍ، لذلك وجدنا وَمِن العهد العباسي، أنه قبل كل موسم عبادة، وخاصة العبادات الموسمية، يبدأ الناس يجهزون لها، ويستعدون بوسائل وطرق مختلفة لاستقبالها.

 فمثلا: قبل موسم الحج، كانت مصر هي مصر العالم (لا مصر المحلية اليوم)، حيث كانت تنسج كسوة الكعبة في القاهرة، ثم قبل موسم الحج، يخرج الناس في موكب عظيم، يترأسه والي مصر، في حفل بهيج، وذلك بإرسال هذا الكسوة الشريفة، إلى الكعبة المشرفة، فكان حفلُ الكسوة، هو البداية للاستعداد للحج الأكبر.

 كذلك الشأن بالنسبة لفريضة الصيام، ولتعلق المسلمين بهذه العبادة العظيمة، ولشوق النفوس لها، فكانوا ينتظرونها، ويعدون لها العدوة الإيمانية، من قبل ستة أشهر، ولكثرة تعلق الناس بهذه الشعيرة العظيمة، فكان الناس يفرحون أيما فرح استعداد لاستقبال الشهر الفضيل، ولم تكن هذه الاستعداد روحية وإيمانية فقط، بل تجاوزت الروح الصوفية، وصارت استعدادات ثقافة وأدبية، وتحولت إلى احتفالات كبيرة، حيث أصبحت كل مدينة لها طابعها الخاص في طريقة استقبال الشهر الفضيل.

 فعلى سبيل المثال، في المغرب الأقصى تخرج الفرق الفولكلورية (الفن التقليدي)، تجوب الشوارع، معلنة السعادة والبهجة التي ستغمر المجتمع بحلول الشهر المبارك، وبجرد أن تخطوَ خطوة واحدة فقط عند جارتها الجزائر، فإنك تجد الأسواق والمحلات تَبْتَدِئ بالتزين، وكأنه موسم فني عالمي، وذلك استعدادا وترحيبا بالشهر الكريم، أما في دمشق الشام (فرج الله عن أهلنا في شامنا)، فإن الشوارع تتزينن وكأنه أعظم عيد وطني، وتخرج الفرق التقليدية (العراضة الشامية)، منشدة ومرحبة، بالشهر الفضيل، ولا يختلف الأمر كذلك في الشرق الأقصى، حيث مظاهر استقبال الشهر الفضيل، تبدو أكثر وضوحا في إندونيسيا أكبر بلد إسلامي، وكذلك الأمر في دول شبه القارة الهندية، والأمر نفسه عند المسلمين في الصين.

 ما يلفت الانتباه هذه المرة، إذا قُدِّرَ لك أن تزور القاهرة، فإن مظاهر الاحتفال تعتبر مغايرة تماما، وأنت تتجول في شوارعها، وساحاتها العمومية، وخاصة محاور الدعاية الإعلانية، مثل الطرق المفتوحة، فإنك ستجد نفسك منبهرا من كثرة اللوحات الإعلانية، وكأنك مقبل على انتخابات تشريعة، كل يتبارى، ويتفاخر بمشروعاته العظيمة(الوهمية)، وكما عودنا الناخبون في وطننا العربي، أن الأعلام الوطنية لا ترفع إلا في أيام الانتخابات، أو بعد الفوز في المباريات، ولكن الغريب هذه المرة، أن هذه الإعلانات ليست لنجوم كرة القدم، ولا لوحات دعاية انتخابية، ولكنها أفلام كبيرة في انحلالها، ومسلسلات أكبر، كلها خُصصت للشهر الفضيل، حيث صدر تصريح بأنه تم تجهيز أكثر من مائة عمل إعلامي لرمضان.

 الغريب أن كل من عرفوا بالعمل في هذا المجال (الإعلامي)، لا ينكر أحد منهم العداء الشديد الذي يكنونه للإسلام عموما، وللتيار المحافظ خصوصا، بل صرحوا بها بملء الأفواه، تحرق البلد ولا يكون للإسلام سيطرة عليها.

 ووجدنا هذا يمارس فعلا، فمثلا واحدة من كبار الأساتذة في جامعة الأسكندرية، ترفض إلقاء المحاضرة، لأن في القاعة بنت منقبة.

 هذا التيار الذي لا يقبل الإسلام أبدا، بل يعاديه كل المعاداة، ويرى فيه العدو الأول والأوحد، فلماذا يتخذون من أكبر شَعِيرة في هذا الدين، أكبر سوق لعرض بضائعهم، التي عودتنا دائما على دق المسمار الأخير في النعش، والتي لا تزيد في الأمة إلا خرقا على الراقع، وتوسيعا في خرق السفينة.

 مثلما يتجرأون ويقولون لا نريد منقبة في الشارع، والإسلام لا يحكمنا، والدين زمنه انتهى، ألا يحق للدعاة أن يقولوا لهم إن رمضان لنا، لا لكم، ولا يحق لكم أن تجعلوا من رمضاننا أكبر دعاية لسلعتكم البائرة.

 للأسف لم نجد ولا داعية، أو شيخ ممكن كانوا آسادا على إخوانهم المسلمين، أقل شيء أن يقول لهؤلاء المفلسين، احترموا أنفسكم، وارموا بسهامكم الطائشة بعيدا عن شهرننا الفضيل.

كل عام وامتنا بخير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى