الأمة الثقافية

“يوم بدر”.. شعر: الشيخ شريف قاسم

الأمــانــي الــعِـذابُ قَــطْـفُ الـحـصـادِ

بـــيــديــنــا فـــيــا لَــفــوزِ الأيــــــــادي

رغــــم مــا فــي بــلادِنــا مـــن شــقـاءٍ

ودمـــــــــارٍ ومـــــــــن دمٍ وجِــــــــلادِ

نـــحــن أجـــدادُنــا الــكــرامُ أُصــــولٌ

فــارعــاتٌ أدواحُــهــا فــــي امــتــدادِ

وهُــــمُ الــخـيـرةُ الــذيـن اصـطـفـاهم

خـــالــقُ الــخـلْـقِ لــلـرضـا والــسَّــدادِ

عَــلِّــلـيـنـي بـــذكــرِهــم وأفــيــضــي

وأعـــــدِّيــــهِ أجـــــمــــلَ الإعــــــــدادِ

وامــنــحـي شــــذوّه الــنَّــديَّ فــإنِّــي

لَـــشـــغــوفٌ بــنــفــحِـه الــمــتــهـادي

ودعــيـنـي أُفــلــتْ فـقـلـبـي سـجـيـنٌ

 فــــــي رزايــــــا مــقــيـنـةِ الأقـــيـــادِ

ولــــيـــالـــيَّ مـــــرعـــــداتٌ بـــــهَــــمٍّ

مـــالــه فـــــي تَــهـنـانِـه مـــــن نــفــادِ

ولــيــالـي الــشــهـرِ الـحـبـيـبِ عــــزاءٌ

 لـــفــؤادي مـــــن وطـــــأةِ الأصـــفــادِ

ليس ينسى حُلْوَ المناجاةِ والأجفانُ

ثــمـلـى يــاطـيـبَ شـــدوِ الــحـادي

وتـــــلاواتِ هـــــدأةِ الــلــيـلِ يــقــوى

فــي مـغـاني تـلـك الـظـلالِ اعـتـمادي

قــــد هــفــا يــحـمـلُ الــمــرارةَ لــكــنْ

 لــيــس يـبـلـى يـقـيـنُه فـــي الــجِـلادِ

فــيــقــيــنـي باللهِ روحُ وجـــــــــودي

وَهْــــوَ سِـــرُّ الـحـيـاةِ فـــي إيــجـادي

جَـــمَــعَ الــقــلـبُ أُمـنـيـاتـي فــكـانـت

فــــي رِضــــا خـالـقـي مـــدى الآمـــادِ

فــلــه اللهفــــةُ الأثــيـرةُ والــشـوقُ

لِـــلُــقــيــا مـــــنــــازلِ الأجــــــــدادِ

الـــصَّــلاةُ الـــتــي تــطــيـرُ بــروحــي

بِـــجَـــنَــاحَــيْ تَـــــــــوَدُّدٍ واتـــــئــــادِ

والــصِّـيـامُ الــشَّـهـيُّ أنـــدى وأحــلـى

وبِـــنُـــوَرَيْــهِ يــســتــحــمُ فـــــــؤادي

والــمــثــانـي بــــرودُهـــا عَــــطِـــرَاتٌ

 ألـبـسـتْنِي مـــن وَشْـــيِ فــيـضٍ بـــادِ

وســـنــامُ الإســـــلامٍ مــجــدٌ تــجـلَّـى

بـــبــريــقٍ لــلـمـرهـفـاتِ الـــصَّـــوادي

والــقـلـيـبُ الــمـشـهـودُ يـــذكــرُ أنَّــــا

مـا ظـلمنا الإنـسـانَ يــومَ الـتنادي (1)

قـــــــد أردْنـــاهـــم حُـــلَّـــةً لـــزمـــانٍ

هَـــجَـــرَتْـــهُ مـــبـــاهـــجُ الأعــــيــــادِ

إذْ تـــمـــادوا بــحــقـدِهـم ، وتـــنــادوا

لــقــتــالِ الــنَّــبِـيِّ بـــئــسَ الــتَّــنـادي

فـــأبـــاحَ الـــــرَّدى نــفــوسًـا عَــرَتْــهـا

ســكـرةُ الإثـــمِ إذْ كـبـتْ فــي ارتـعـادِ

يــــوم بــــدرٍ رايــاتُـه لــيـس تــرضـى

بـــيــدٍ ضــيَّــعـتْ ســـنــى الأمـــجــادِ

خـافقات تُزجي مواعيدَها للجحفلِ

 الــــثـــائـــرِ الـــــقــــويِّ الـــعِـــمـــادِ

ولــــيـــومٍ يُـــحــيــي مـــآثـــرَ بــــــدرٍ

ويــقــيــلُ الــظُّــبـى مـــــن الأغـــمــادِ

عـندها تُـنتَضى الـسُّيوفُ فـقد حانَ

زمــــــــانُ انــبــعــاثِـهـا لــلــجــهــادِ

فــالـزمـانُ الــمـوعـودُ هــــلَّ فــأغــرى

أهــــلَ بــــدرٍ فــــي عــــزَّةٍ واعــتــدادِ

هـاهُمُ اليومَ ينضحون بوجهِ الظُّلم

مــعــنـى الإبــــا ووهْــــجِ الــصِّـعـادِ

ويــعــيــدون شِـــرعـــةَ اللهِ مــجــلـى

 لــلــوصــايـا وصـــفــحــةِ الإرشـــــــادِ

فــاشــرأبَّـتْ إلـــــى الإبــــاءِ ونــــادت

لــلــمــعـانـي الــجــمـيـلـةِ الإنــــشـــادِ

مـرهـفـاتُ الـقـلـوبِ مــن كــلَّ صــوبٍ

مـصـغـياتٍ الــهـوى لــصـوتِ الـحـادي

إنَّـــمـــا تــكــســرُ الــقــيــودَ نـــفــوسٌ

 لــيـس تَــطـوي عــلـى ثـقـيـلِ الــرُّقـادِ

أيـقـظـتْـهـا مـــــن غـــفــوةِ الــــذُّلِّ أُمٌّ

مــاعـراهـا رعــــبُ الــرزايــا الــشِّــدادِ

فَـــقَــدَتْ أهــلَــهَـا الـــذيــن سَـفَـتْـهُـم

 ريـــــحُ حـــقــدِ الإجـــــرامِ والــجــلاَّدِ

وبـــنــيــهــا وزوجَــــهــــا وأخــــاهــــا

 ولـــفـــيـــفَ الأحـــــبــــةِ الأشــــهــــادِ

وأبــــــتْ أن تــــــذلَّ يـــومًــا لــبــغـيٍ

يــتــلـظَّـى فـــــي قــبــضـةِ الـــجــلادِ

إنَّـــهــا مـــــن بـــنــاتِ بــــدرٍ و أُحْــــدٍ

 وبــــقـــايـــا الـــعُـــبَّـــادِ والـــــزُّهَّــــادِ

ركـــلــتْ ذلـــــك الأثـــيــمَ ، وَعَـــــرَّتْ

مـــــن أكـــاذيــبِ زيـــفِــه الـمـتـمـادي

فــــــإذا الــقــائــد الــهُــمــامُ ســـــرابٌ

يــتــلــوَّى بـــوهــمِ زورِ الــنَّــجـادِ (2)

عــشــتِ يـــا أُخـتَـنَـا الـكـريـمةَ رمـــزًا

حــطَّـمـتْ صــــرحَ صــهـلـةِ الأوغــــادِ

وتــعــالــيـتِ فــــــوقَ كــــــلِّ أثـــيـــمٍ

رامَ قــــهـــرَ الــشــعــوبِ بــاســتـبـدادِ

مـاتـنـاسـيْـتِ أنَّــــك الــيــومَ حِــصــنٌ

 لــبــنـيـكِ الـــثُّـــوَّارِ فـــــي الأنـــجــادِ

أنــــتِ عــلَّـمْـتِ مــــن غـــدا يــتـوارى

عـــن فــلـولِ الـطـغـاةِ بــيـن الـبـوادي

أنَّ شـــــأنَ الــفــلـولِ شـــــأنٌ حــقـيـرٌ

رغـــــمَ مـــــا لـلـفـلـولِ مــــن إعــــدادِ

بــــارك اللهُ وجــهــكِ الــيــومَ يــهـفـو

مــطــمــئــنًّــا لـــــلـــــهِ ، لــلــمــيــعــادِ

هـــــو آتٍ خــلــفَ الــنُّـعـوشِ ، فــثــأرٌ

قـــــد تــشــظَّـى وكـــــان بـالـمـرصـادِ

مـا نـأيـنـا أخــــا الــطـيـوفِ الـحـوانـي

عـــــن نُــسَـيْـمَـاتِ زهـــوِهــا الــمــيَّـادِ

وعـــــن الأفْــــقِ مــحـجـراهُ تــهــادتْ

 مـنـهـمـا الأمــــلاكُ الــكــرامُ ، وحـــادِ:

ضــــجَّ بـالـفـتـحِ صــوتُـه ، فـتـلاشـتْ

عــــزمـــاتُ الإشـــــــراكِ والإلــــحـــادِ

والتقى بين العدوتين هوى جمعين

هـــــــــذا لـــعـــربـــداتِ الـــعـــنـــادِ

وتـــثــنَّــى ثــانـيـهـمـا بــالــمــوداتِ

وبـــالـــبـــيِّـــنــاتِ والإمـــــــــــــدادِ

وأتـــــى الــنَّــصـرُ مــاحِــيًـا لـــضــلالٍ

لـــعــبــيــدِ الـــــهــــوى ولـــلــحــسَّــادِ

أشــهـرتْ بــدرُ هَـدْيَـهَا حـيـثُ أزجــى

بـجـلـيـلِ الآيــــاتِ صــــوتُ الـمـنـادي

والــذيـن الـظـلـمُ الـمـقيتُ تـولاَّهـم

فــبــئــسـت صــنــاعــةُ الأصـــفـــادِ

أنـبـأتْـهُم عـــن سـقـطةِ الـنَّـفسِ يـومًـا

رغــــمَ أهــوائـهـم : ســيـوفُ الـجـهـادِ

عـالجتْهم بـالحقَِّ في ساحها الغامرِ …

مـــا أبــقـتْ مـــن حــشـودِ الـفـسادِ

وَهَـــــوَى ســعـيُـهـم لــيـلـقـوا جــــزاءً

مــــــن عــلــيــمٍ بــعــربـداتِ الــعــبـادِ

أغــمـدتْ بـــدرُ كِـبـرَهـم فـاضـمـحلَّتْ

مــــا بــأيــدي الــجـنـاةِ مــــن أحــقـادِ

والأذلَّــــون أُخــمـدتْ فـــي الـفـيـافي

بـــعــدَ جَـــــوْرٍ نــيـرانُـهـم والـــــوادي

فــهـو اللهُ زلـــزلَ الـشِّـركَ فـانـهدَّتْ

صـــــــــروحٌ قــــويــــةُ الأوتــــــــادِ

هــكــذا كُــنَّـا نـحـسـبُ الـظـلـمَ ركــنًـا

لــيـس يـفـنـى ومـــا لـــه مــن نـفـادِ !!

إنَّـــمـــا الــبــاطـلُ الأثـــيــمً لــحــتـفٍ

وزوالٍ مــــــــن ســــاعـــةِ الـــمــيــلادِ

ورفــيــعُ الــعـمـادِ يـشـمـخُ بـالـحـقِّ

 ويــبـقـى مـسـتـعـليًا فـــي ازديـــادِ

وجــنــاه الــفـيَّـاضُ لـــم يــبـلَ يــومًـا

 فَــــمُــــحَـــيَّـــاه نـــــــضــــــرةُ الأورادِ

فـاحَ طيبُ الإسلامِ، فابتهجَ النَّاسُ

فَـــجــانٍ مـــــن خـــيــرِه أو شــــادِ

يــــا لأمــــسِ الأيــــامِ تــبـكـي عـلـيـه

 أُمـــمٌ مـــن لـظـى جِـمـاحِ الـقـتادِ (3)

أيُّـــهـــا الـــنــاسُ مــاقــلاكـم إلـــهــي

 فـالـمـثـانـي طــابــتْ لــكــم مــــن زادِ

وهـــو اللهُ ربُّــكـم ، يـغـفـلُ الـنـاسُ

وربــــــــي لــلــبــغـيِ بــالــمــرصـادِ

عُــقِـرَتْ فـــي الـقـلـيبِ سـطـوةُ بـغـيٍ

 فــــي انــهـيـارِ اسـتـكـبـارِه والــعِـمـادِ

وأبـــوه ، أبـــو الـعُـتُـوِّ ، أبــو جـهـلٍ

هـــــوى فـــــي غــيـاهـبِ الأبــعــادِ

لـم يُـضَلِّلْ سـوى الـغثاءِ مـن الناسِ

فــبـئـسَ الـطـاغـوتُ فـــي الأنـــدادِ

مـــالــه مـــــن مــكــانـةٍ فــــي عــبــادٍ

 غـــيــر جَــــوْرٍ، ومــالــه مــــن تِــــلادِ

ربـــمـــا كـــــان مــجــرمًـا ذا جـــــذورٍ

 لـــيـــس تُــنــمَـى لــمـجـدِنـا الــمــيَّـادِ

أو شــقــيَّــا أحـــيــاهُ ربـــــي لــخــيـرٍ

فــتــمـادى بــالــسُّـوءِ بـــيــن الــعــبـادِ

مـــارعـــى صِــبــغـةَ الإلـــــهِ لــنــفـسٍ

فــــغـــزاه الــــهـــوى بــــــلا تَـــهـــوادِ

هـو أعـماه زخرفُ العيشِ فانفضَّتْ

عــــــن الــعــيـنِ مــتــعـةُ الـــزُّهَّــادِ

يـــألــفُ الـــغــدرَ طــاغـيـا مـشـمـخـرًا

بــئــسَ ثــــوبُ الــطـغـاةِ مـــن أبـــرادِ

وهــــــو الــمــتــرفُ الــبـلـيـدُ ولـــــولا

 تَـــرَفُ الـعـيـشِ مــا نــأى عــن رشــادِ

فــاطــمـئـنُّـوا يــــاقـــوم إنَّ زمــــانًـــا

خـــضــبــتْــهُ قـــبـــائـــحُ الـــــجــــلادِ

لـــيــس يــبــقـى وإن تـــبــرَّجَ فـــيــه

 زيـــــفُ مـــافــي نــيـشـانِـه الـــرَّعَّــادِ

هـــــو فـــــانٍ : أيَّــامُــه والــحـواشـي

مــــــن دروعٍ ومـــــن يـــــدٍ وعـــتــادِ

كـلُّـهـا والـمـنـافقون وأهـــل الـمـكـرِ

 لا بــــوركــــوا وأهـــــــلُ الـــفــســادِ

أثـخـنـوا الأمَّـــةَ الـكـريمةَ بـالإيـذاءِ

والـــضَّـــنــكِ شـــــــاعَ والأنــــكـــادِ

واطـمـئـنُّـوا مــا الــدربُ تـيـهًـا تـجـنَّـى

بــالــمــتــاهـاتِ أو رؤى الأضـــــــــدادِ

واطــمــئـنُّـوا فـالـبـشـريـاتُ حِـــســانٌ

قــــد أذابــــتْ أحــقـادَهـم والـتَّـمـادي

نــحـن نـشـكـو جـراحَـنا ، ويــدُ اللهِ

لـــهــا بــلــسـمٌ ، عــلـيـه اعــتـمـادي

ولــــه الأمـــرُ جـــلَّ لــيـس سـيـشـقى

 مَـــــن أتـــــى اللهَ مــؤمـنًـا بـاجـتـهـادِ

وأراهــــــا رغـــــمَ الــتَّـصَـحُّـرِ مـــزنًــا

 تـــمـــلأُ الأرضَ لابــقــايــا ثِِـــمــادِ (4)

ســـيـــزولُ الــطــغـاةُ كـــمًّــا وكــيــفًـا

وســتــبــلــى أصــــابــــعُ الإســــنــــادِ

فـالـفـراعـيـنُ مــالــهـم مــــن مــجـيـر

وإلـــى الـحـتـفِ مـالـهـم والـنَّـفادِ (5)

فــاطـمـئـنُّـوا يـــاقـــوم ، فاللهُ بـــــاقٍ

وسِــــــــواهُ لـــحـــســرةٍ وافـــتـــقــادِ

…………………………….

هوامش :

(1) القليب : البئر الذي دُفن فيه قتلى المشركين يوم بدر .

(2) النَّجاد : حمائل السيف .

(3) القتاد : الشوك .

(4) الثِّماد: الماء القليل .

(5) مالهم الأولى: ليس لهم ، ومالهم الثانية : الذي عندهم .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى