آراءمقالات

المومياوات.. معجزة بشرية أتاحتها حكمة إلهية

ياسر سليم
Latest posts by ياسر سليم (see all)

لولا إرهاق الأيام العبثية الماضية الذي هدني وأقعدني عن الخروج، لكنت أول الزائرين لقاعة المومياوات الجديدة بمتحف الحضارة، لأطمئن على رقدة الأجداد في مثواهم الجديد.

أزعم أنني أكثر إنسان على وجه البسيطة زار وتأمل وجوه وأجساد ملوك مصر، كانت لي زيارة سنوية لها، وزيارات أصطحب فيها الأصدقاء والأهل عند زيارتهم للقاهرة، أقول لهم وأنا صاعد بهم لقاعة المومياوات بالمتحف المصري: سأريكم معجزة بشرية أتاحتها حكمة إلهية.

لكن زياراتي المنفردة لأجساد الملوك كانت أمتع، حيث أقف دقائق متأملا كل تفصيلة في هذا الجسد الراقد منذ ثلاثة آلاف عام ويزيد، أقف مشدوها عند شعر رمسيس الثاني المصفر من أثر التحنيط، وأظافره المقلمة بعناية،  ويده التي يهم برفعها لسبب ما، وبجواره ابنه مرنبتاح بجسده الضخم الذي يميل للبياض لسبب غامض رغم أنه كان أسمر البشرة بالتأكيد، أما سقننرع، الذي سقط في أرض المعركة مع الهكسوس، فلا تزال صرخته تنطلق من فمه معلنة المقاومة دفاعا عن مصر لآخر نفس، فتترقرق عيناي بالدموع لأجل هذا الملك الشاب في كل مرة أراه فيها وأقف عنده طويلا.

كنت لا أعبأ بنظرات الحراس والزوار وهم يرمقونني وكأنني مجذوب إلى حكمة بالغة من أحكام العلي القدير في إبقاء هذه الأجساد رغم كل ما مر بها، وربما ظنني الحارس ومراقبو الكاميرات مجنوناً وأنا أتمتم عند أقرب نقطة من رأس رمسيس الثاني، كأنما أهمس في أذنه متسائلا عما إذا كان فعلا هو أو ابنه المسئول عن طرد بني إسرائيل من مصر، وخيل إليه من فرط تركيزي في وجهه النائم أنه سيلتفت نحوي ويرد.

وعند كل مومياء أحاول تقدير طول الجسد، أطوال عادية جداً، أجد معظمهم طولي، ليسوا بالعمالقة الطوال ولا الأقزام القصار، أتذكر ما قرأته من أن المصريين القدامى كانوا أميل للقصر، فأطمئن إلى أن أصولي مصرية خالصة وأعقد مقارنات بين ملامح التماثيل المنتشرة في مختلف قاعات المتحف، وبين ملامح وجوه أبناء عمومتي فأجد تمثال شيخ البلد «خشبي» يشبه عمي فلان، وتمثال اخناتون يشبه ابن عمي فلان.

كنت دائما ما أقول لأبناء أعمامي حينما نلتقي أننا وبما أن أصولنا غير عربية ـ فالقبائل العربية يعرفون نسبهم ـ وبما أن هيئاتنا لا توحي بأننا نتاج عروق آسيوية أو أوربية غزت مصر، فلا يبقى إلا أننا من سلالة أسرة فرعونية حاكمة سقطت فأخفى فلولها ـ أجدادنا ـ هوياتهم حتى لا يتعرضوا للتنكيل والإبادة على يد الأسرة الحاكمة اللاحقة، ولذلك ذبنا بين الشعب وانقطع تسلسل التعريف بأصولنا عند الجد التاسع الذي نعرفه.

ومع الفخر بالملوك العادلين العظماء: تحوتمس الثالث سقننرع، أحمس، اخناتون، يبقى التأكيد على أن الحضارة المصرية القديمة انقطعت لأنها كانت حضارة ملكية، لم تصل ثمارها للشعب، فاستأثرت الأسر الحاكمة وأبناؤها ومحيطها الداعم وكهنة المعابد بالمعرفة ومفاتيح العلم، رغم أن الشعب هو بانيها الحقيقي وبطلها الأصيل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى