بحوث ودراساتسلايدر

ونيس المبروك يكتب: هل يجوز مبادرة الكافر بالسَّلام، ومخاطبته بلفظ سيِّد؟!

 ويزداد الإشكال في التَّعامل بهذه الأمور في المجتمعات التي لا يُوجد بها مواطنون من النَّصارى أو اليهود، وينعدم فيها الاختلاط بغير المسلمين.

 وقد أوضحت مفهوم الولاء والبراء، وما يترتَّب عليه من أحكامٍ في حلقةٍ كاملةٍ في قناة “فور شباب”، وفي هذه التَّدوينة أودُّ بيان أمرين اثنين:

 الأمر الأوَّل:

هو مبادرة غير المسلم بالسَّلام؛ حيث يُحرِّم بعض الشُّيوخ مبادرة غير المسلم بالسَّلام، مستندين في فهمهم هذا على حديث سُهيل بن صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (لا تبدؤوا المشركين ـ وفي رواية اليهود والنَّصارى ـ بالسَّلام، وإذا لقيتموهم فاضطروهم إلى أضيق الطَّريق).

 وفي تقديري أنَّ تحربم السَّلام على غير المسلمين، ولو كانوا مسالمين – بإطلاقه – هو خطأٌ، ورأيٌ مرجوحٌ يجب التَّفطُّن له، وذلك لأسبابٍ عديدةٍ من أهمِّها:

 أوَّلاً: هذا الحديث ورد في سياق “مناسبةٍ” محدَّدةٍ، ومن تمام الفقهِ معرفة سبب ورود الحديث، حتَّى نستطيعَ معرفة الحكم الشَّرعي المستنبط منه، وهذا الحديث جاء في سياق الحرب مع يهودٍ، وقد بيَّن ذلك قول النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم في روايةٍ أُخرى للحديث: “إنِّي راكبٌ غداً إلى يهودٍ، فلا تبدؤوهم بالسَّلام، فإذا سلَّموا عليكم فقولوا: وعليكم)، وينبغي حصر رواياتِ الحديث الواردة في “موضوعٍ واحدٍ” والجمع بينها للوصول لمعرفة الحُكم الشَّرعي، وإلَّا أَّدى ذلك للتَّناقُضِ والاضطراب في الفهم والتَّنزيل معاً.

 ثانياً: رواية سُهيل بن صالحٍ رضي الله عنه أغفلت (سبب الورود)، كما أنَّها تتعارض مع مطلق التَّشريع القرآني والنَّبوي الذي يحثُّ على إفشاء السَّلام، ومعاملة غير المسلمين المسالمين بالقسط والبرِّ، لقوله تعالى في سورة الممتحنة: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدِّين ولم يخرجوكم من دياركم أَنْ تبرُّوهم وتقسطوا إليهم إنَّ الله يحبُّ المقسطين}، والمتأمِّل في هذه الآية يرى أنَّ القرآن الكريم استعمل لفظ (البرِّ) الذي ورد في سياق معاملة الوالدين، ومن البرِّ أَنْ يتلطَّف المسلم مع أصحاب الدِّيانات الأخرى في الحديث والتَّحيَّة، ويحسن مجاملتهم ومعاشرتهم بالمعروف ما داموا لم يُعلنوا حرباً. ومن المسلَّمات المحكمات؛ أنَّ كُلِّيَّات القرآن ومحكماته هي المهيمنة على السُّنَّة وعلى غيرها من الكتب السَّماويَّة، ويجب فهم السُّنَّة ومعرفتها وفق منهجيَّةٍ منضبطةٍ، تجمع بين كلِّ الرِّوايات، وتستصحب أسباب الورود، وتقرأ تعاليم السُّنَّة في ضوء القرآن الكريم، وإلَّا أدَّى ذلك لخللٍ كبيرٍ واضطرابٍ في معرفة أحكام الشَّريعة؛ ولهذا رجَّح الإمام القرطبي وغيره من المفسِّرين جواز ابتداء غير المسلم بالسَّلام لعموم نصوص القرآن.

 ثالثاً: يُباح للمسلم أَنْ يُقلِّد أيَّ عالمٍ يقول بالتَّحريم من السَّلف أو الخلف إذا اقتنع واطمئنَّ لقولهم، فقد ورد عن بعض السَّلف والخلف تحريم ذلك، ولكن على المسلم أَنْ لا يجعل من القضيَّة مسألةَ حقٍّ وباطلٍ ، أو منكر ومعروفٍ،..كما لا يجوز له الإنكار على غيره ممن يبيح إفشاء السَّلام على المسالمين من غير المسلمين، وقديماً سُئل الإمام الأوزاعي عن مسلمٍ مرَّ بكافرٍ فسلَّم عليه، فقال: إِنْ سلَّمت فقد سلَّم الصَّالحون قَبلك، وإِنْ تركتَ فقد ترك الصَّالحون قبلك.

 وقد نقل ابن القيِّم عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنه أنه كَتَب إلى رجلٍ من أهل الكتاب: “سلامٌ عليك”، فالمسألة لا تحتاج إلى إضاعة كثيرٍ من الوقت، والتَّكلُّف في الجدل، أو العتب على المخالف، والله أعلم.

 الأمر الثَّاني:

يمنع بعض الفقهاء مخاطبة غير المسلم أو مراسلته بلفظ “سيِّد”، ويستندون على ذلك بحديث: (لَا تَقُولُوا لِمُنَافِقٍ سَيِّدٌ، فَإِنَّكُمْ إِنْ قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ).

 وأودُّ التَّعليق بما يلي:

 أوَّلاً: إنَّ المصطلحات التي يتعامل بها النَّاس يعتريها التَّبدُّل والتَّغيُّر، وغير مستنكرٍ اختلاف النَّاس على دلالة الكلمة مع مرور الزَّمن، والتَّواطؤ على استعمالٍ مختلفٍ، وكلمةُ “سيِّد” هي من قبيل هذا الباب، فلا يُرادُ بها اليوم مطلق التَّعظيم والإجلال والرِّئاسة، كما هو معهود العرب في استخدام المصطلح قديماً، بل انتقل هذا اللَّفظ ليُصبِح كلمةً روتينيَّةً، من باب الذَّوق في مخاطبة النَّاس، وتُستعمَل اليوم من باب التَّحيَّة (Greeting)، أو المخاطبة بلقب (Salutation) في المراسلات ذاتِ الطَّابع الإداري والرَّسمي أو الدُّبلوماسي، وكلمة “سيِّد” في المراسلات العربيَّة هو تقليدٌ أخذه العرب من العجم في المراسلات، وهي ترجمةٌ لكلمة (master)، وتُختصر في المراسلات بهذا الشكل (Mr)، ولا علاقة لها بتعظيمٍ ولا إجلالٍ؛ لأنَّها تُطلق حتَّى في المراسلات لأراذل النَّاس والمجرمين في المخاطبة الرَّسميَّة، ولا شكَّ أنَّ الإسلام لا يمنع من الأدب في الخطاب؛ لأنَّ ذلك خلقٌ إسلاميٌّ عامٌّ.

 ثانياً: من المعلوم عند المحقِّقين أنَّ قضايا المعاملات معلَّلةٌ في الأغلب الأعمِّ، أي لها سببٌ ومقصدٌ من تشريعها على هذا النَّحو، وفي لفظ الحديث بيانٌ للعلَّة، وهي قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (فإنَّه إِنْ يكُ سيِّداً فقد أسخطتم ربَّكم) وهي هنا على عدَّة معانٍ؛ منها ما ذكره صاحب عون المعبود عند شرحه للحديث: (إِنْ يكُ سيِّداً لكم فتجب عليكم طاعته، وإذا أطعتموه فقد أسخطتم ربَّكم)، أو ما ذكره ابن الأثير رحمه الله: فإنَّه إِنْ كان سيَّدكم وهو منافقٌ فحالكم دون حاله من النِّفاق، والله لا يرضى لكم ذلك، وعليه يجب استصحاب علَّة الحكم؛ لأنَّ الحُكم يدور مع علَّته وجوداً وعدماً.

 ثالثاً: بعض الأئمَّة الذين حرَّموا مناداة الكافر بلفظ “سيِّد”، بيَّنوا أوجه الاستثناء عند التَّنزيل لهذا الحكم، كرعاية المصلحة، وتأليف القلوب، ورعاية تغيُّر الزَّمان والمكان، قال ابن القيم رحمه الله في كتابه أحكامُ أهل الذِّمَّة: “ومدار هذا الباب وغيره ممَّا تقدَّمَ على المصلحة الرَّاجحة، فإِنْ كان في كنيته تمكينه من اللِّباس وترك الغيار والسَّلام عليه أيضاً، ونحو ذلك تأليفاً له ورجاء إسلامه وإسلام غيره كان فعله أولى، كما يُعطيه من مال الله لتألُّفه على الإسلام، فتألُّفه بذلك أولى،… ومن تأمَّل سيرة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه في تأليفهم النَّاس على الإسلام بكلِّ طريقٍ؛ تبيَّن له حقيقة الأمر، وعلم أنَّ كثيراً من هذه الأحكام التي ذكرناها من الغيار وغيره تختلف باختلاف الزَّمان والمكان والعجز والقدرة والمصلحة والمفسدة”.

ربَّما يجد القارئ شيئاً من الإطالة في هذا البيان، ولكن لمَّا كان الأمر يتعلَّق بالحلال والحرام، ويتعلَّق بمسألةٍ يتعرَّض لها كثيرٌ من المسلمين، فإنِّي أحببت تسليط الضَّوء على بعض الزَّوايا المهملة في تناول هذا الموضوع، سائلاً المولى أَنْ يُفقِّهنا في ديننا، ويرزقنا الإخلاص في القول والعمل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى