الأخبارسلايدرسياسة

وداعًا “مجاهد الثورتين” في الجزائر

 

 

 

 

 

 

عن عمر ناهز 87 سنة رحل “لخضر بورقعة”، متأثرًا بإصابته بفيروس “كورونا”، لتنتهي مسيرة طويلة وفريدة لشخصية جزائرية ثارت على الاستعمار الفرنسي للبلاد (1830:1962)، ودعمت مطالب الحراك الشعبي، حتى وصف بـ”مجاهد الثورتين”.

“بورقعة، أو “عمي لخضر” كما يوصف في الشارع وفي أروقة السياسة والإعلام، توفى ليلة الخميس في مستشفى الشرطة بالجزائر العاصمة، بعد معاناة لأيام جراء إصابته بالوباء.

ومنذ إعلان وفاته، تهيمن صور لـ”بورقعة” ومقتطفات من أحاديثه، على صفحات عديدة على شبكات التواصل الاجتماعي في الجزائر، مع نعي واسع من مسؤولين وسياسيين ونشطاء.

و”بورقعة” هو أحد أشهر رموز ثورة التحرير الجزائرية (1954: 1962) ضد الاستعمار الفرنسي، وكان قائدًا لإحدى المناطق العسكرية لجيش التحرير وسط البلاد، وتُسمى “الولاية التارخية الرابعة”.

بعد عام من الاستقلال، شارك “بورقعة”، رفقة الراحل حسين آيت أحمد، في تأسيس جبهة القوى الاشتراكية (يسار)، وهو أول حزب معارض في فجر الاستقلال.

وما لبث أن اصطدم برفاق السلاح، ما قاده إلى السجن، عام 1968، حيث مكث 7 سنوات، قبل أن يغادره مستفيدًا من عفو رئاسي، في 1975.

وفي 1990 أصدر مذكراته في كتاب بعنوان “شاهد على اغتيار الثورة”، تناول فيه كفاحه ضد الاستعمار الفرنسي، وتطرق لمرحلة الاستقلال، التي قال إنها شهدت تحولًا مثيرًا عن السياسة التي كانت منتهجة أثناء حرب التحرير.

ويرى “بورقعة” أن قوات “جيش الحدود” (كانت متمركزة خارج حدود البلاد إبان الاستعمار) سيطرت على الحكم بقوة السلاح.

ولم يخف معارضته العلنية للرئيس المستقيل، عبد العزيز بوتفليقة (1999: 2019)، وكان من أبرز الشخصيات المشاركة في الحراك الشعبي الاحتجاجي.

وبدأت هذه الاحتجاجات الشعبية في 22 فبراير/شباط 2019، وأجبرت بوتفليقة على الاستقالة، في 2 أبريل/ نيسان من العام نفسه.

وواصل “بورقعة” دعمه لمطالب الحراك، المتمثلة في التغيير الجذري للنظام الحاكم، وردد في مناسبات عديدة أن الجزائر “لم تعرف حكما شرعيًا” منذ الاستقلال.

وفي 26 يونيو/تموز الماضي، نظمت أحزاب معروفة بمعارضتها الراديكالية للنظام، تكتلت في تحالف أسمته “قوى البديل الديمقراطي”، ندوة لتقديم خارطة طريقة للبلاد.

كان “بورقعة” ضمن المدعوين، وألقى كلمة تطرق فيها إلى “جيش الحدود”، قائلًا: “في 1962 تشكلت ميليشيا خارج أرض المعركة، وهذه المليشيا فعلت فعلتها إلى غاية اليوم”.

وتابع: “يقال لنا اليوم إن الجيش الوطني الشعبي هو سليل جيش التحرير، وهذا غير صحيح”.

ويعتبر توصيف الجيش الجزائري بكونه سليل جيش التحرير من الثوابت الوطنية المنصوص عليها في ديباجة دستور الجزائر.

وتسبب هذا الحديث في مثول “بورقعة” أمام قاضٍ أمر بإيداعه رهن الحبس المؤقت، بتهمتي “إهانة هيئة نظامية، والمساهمة في إضعاف الروح المعنوية للجيش وقت السلم”.

وصاحب سجن “بورقعة”، تقرير بثه التلفزيون الرسمي ذكر فيه أن الرجل “لم يكن قائدًا للمنطقة الرابعة التاريخية، مثلما يشاع، واسمه الحقيقي هو أحمد، وليس لخضر”.

وحسب التلفزيون، الذي لم يذكر مصدرًا، فإن الأمر يتعلق بـ”أحمد بورقعة، الذي تخفى تحت اسم لخضر بورقعة، وهو في الحقيقة كان يحارب في الجيش الفرنسي بمنطقة الألب في فرنسا بين 1954 و1956، حيث عاد إلى أرض الوطن في عطلة ليلتحق بالثورة (التحريرية)”، في تلميح إلى أن سيرته المتداولة مزيفة.

وأثارت هذه الراوية استهجانًا بين فئات واسعة من الجزائريين، اعترضت على المساس بالتاريخ الثوري للرجل، مهما كانت مواقفه السياسية، ليتراجع التلفزيون الرسمي لاحقًا عن روايته، ويصفه بـ”المجاهد”.

وأصبح “بورقعة”، بعد سجنه، “أيقونة” للحراك الشعبي، وصارت صوره ترفع في مظاهرات أسبوعية، للمطالبة بإطلاق سراحه.

وفي يناير/ كانون الثاني الماضي، بعد أيام من وصول عبد المجيد تبون إلى رئاسة الجزائر، استفاد “بورقعة” من إفراج مؤقت بسبب وضعه الصحي الصعب، على أن تتم محاكمته لاحقًا، لكن هذه المحاكمة ظلت تؤجل حتى وفاته.

وإلى جانب نضاله السياسي الداخلي، كان “بورقعة” أحد أهم المدافعين عن القضية الفلسطينية في الجزائر وخارجها، وشارك في مبادرات عديدة لرفع الحصار عن قطاع غزة ودعم المقاومة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى