الأمة الثقافية

هل المترجم كاتب؟

إنَّ هذا الموضوع يتطلَّب تحليلًا دقيقًا؛ ولهذا أرجو من القارئ الكريم أن يَتتبَّعَني فيه نقطةً بنقطة، حتى نصِل إلى الجواب وخُلاصةِ الكلام فيه.

بادئ ذي بدءٍ، يجب أن نُحدِّد المجالَ الذي يجب أن نَضَع فيه المترجِم، فهناك: المجال الأدبي والعلمي، والقانوني والتقني، وهي مَجالات عديدة تَتطلَّب من المترجِم التعامل معها، كل منها بالشَّكل المناسِب لها.

بالنسبة للمجال الأدبي: لا خِلاف بينَنا أنَّه من الواجب على المترجِم أن يكون حائزًا على ملَكة الكتابة، فحتى تُترجِم رواية يجب أن تكون روائيًّا، وحتى تترجِم قصَّةً يجب أن تكون قاصًّا، وحتى تترجِم شعرًا يجب أن تكون شاعرًا، أَستدلُّ على كلامي بما أَورده “إيريك بوري” (Eric Boury)، وهو متخصِّص في ترجمة الكتب من الأيسلندية إلى الفرنسيَّة، يقول: إنَّ المترجِم يختفي خلفَ الكاتِب، ويترك أسلوبَه هو الذي يظهر، فالمترجِم ليس إلَّا وسيلة، وحتى يتمكَّن المترجِم من مُحاكاة أسلوب الكاتب عليه الذَّهاب إلى حدِّ إعادة إنتاج النصِّ من جديد!

أمَّا بالنِّسبة للمجالات الأخرى – كالمجال القانوني والعلمي والتقني – فلا بدَّ أيضًا للمترجِم فيها من الملَكَة التحريريَّة؛ بمعنى أن تكون له القدرة على كِتابة نصٍّ مَفهوم مُتَسلسِل الأفكار، سواء كان نصًّا قانونيًّا، أو مقالًا علميًّا، أو وثيقة تقنية، ودون هذه الملَكة سيَفشل المترجِم قطعًا في مهمَّته، فكما يجِب على الترجمان أن يكون مفوَّهًا في ترجمته الفوريَّة، على المترجم التحريريِّ امتلاكُ قدرة تحرير النصِّ، يقول “ماتيو غيدار” (Mathieu guidère) – المنظِّر الكبير في علم الترجمة -: على المترجِم مبدئيًّا صَقْل ملَكَته التحريرية في اللغة الهدف، وعلى الترجمان التَّمكُّن من الملكة الشفويَّة.

ننتقل الآن إلى تساؤل وجيهٍ: هل يولد المترجِم مترجمًا بالفِطرة؟! حيث إنَّه بما أن الكاتب هو كاتِب بموهبة حباه الله بها، فالمترجِم بالضَّرورة سيحذو حذوَه في ذلك، أسوق إليكم ما قالَته “سارة كوتللي”(Sara Cotelli) في مذكِّرة تخرُّجها بعنوان “تعليمية الترجمة أم تعليمية اللغات؟”: نَعتبِر عادةً الترجمةَ مِراسًا يمكننا اكتِسابه، ولكنَّها في الحقيقة موهبة بالولادة نوعًا ما؛ نحن نُولد مترجِمين، ولا نُصبح مترجِمين.

والأمر الذي يجِب توضيحه هنا ذلك الفهم السَّقيم لوظيفة المترجِم؛ حيث يَعتقد مَن لا دراية له بهذا المجال أنَّ دوره يقتصر على إيجاد مرادفاتٍ للكلمات في القاموس، ولا يلتفت إلى أنَّه يقوم بنقل المعنى بالدرجة الأولى، وهذا ما يَتطلَّب من المترجم عملًا فكريًّا عَميقًا مُجْهِدًا، تقول “فرجيني سيغار” (Virginie ségard) – وهي مُترجِمة فرنسية -: إنَّه من الواجب على المترجِم أن يوظِّف الكلمات بشكل دقيق، وأن يمتلِك مخزونًا معرفيًّا في تَخصُّص النص، وحتى يتمكَّن المُترجم المحترِف من صناعة ترجمة ممتازة عليه إتقان لغتَي المصدر والهدف إتقانًا كاملًا.

من الواجب إذًا أن نَمنح المترجِم حقَّه والمكانةَ التي هو أهلٌ لها؛ انطلاقًا من المجهود المضني الذي يَبذله، أُبيِّن لكم المراحلَ الثلاث التي لا غِنى للمترجم عنها في ترجمته:

• أولًا: قراءة النصِّ الأصل لفهم المعنى.

• ثانيًا: الترجمة الحرفيَّة للنص.

• ثالثًا: ترجمة المعنى وصِياغة الأسلوب.

بعد الكلام الذي ذكرته آنفًا، يمكِن القول بأنَّ على المترجِم إتقان اللغة المصدر واللغة الهدَف، وأن يتمكَّن من هضْم ثقافتي اللغتين، ويحرِّر الأسلوب الذي يُمكِّنه من صياغة ترجمة مُتقنة؛ حتى لا يحسَّ القارئ بأنَّ هذا النص مُترجَم، فيفلح بذلك المترجِم في نقل رسالة الكاتب؛ ليُعَبِّد جسرَ التواصل بين الناطقين بهاتين اللغتين.

إنَّ للكاتب براعة من خلال حِسِّه في الكتابة، والمترجِم له نفس البراعة في الترجمة، هذا ما اصطلح عليه الإبداع؛ فالمترجِم مُبدِع وتَرجمته فنٌّ، وأَحْصُر كلامي هنا في المجال الأدبي؛ من الضروري أن يمتلِك المترجم القلمَ الذي يُمكِّنه من عملية الترجمة؛ ليُضاهي ويُحاكي قلمَ كاتب النصِّ الأصلي، فينجح في نقل أفكاره ولغته وأسلوبِه، ويكون قد أدَّى دورَه المنوط به في تبليغ رسالة الكاتب.

——————————
أسامة طبش
مجمع اللغة العربية – مكة

 

رد مع اقتباس
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى