آراءمقالات

هذا ما يجمعنا

Latest posts by عنتر فرحات (see all)

في شهر رمضان المبارك (كتب الله لنا قبول صيامه)، تفاجأ المسلمون عامة، والعرب خاصة، بأن بعض الدول العربية، تحاصر دولة عربية، وبدأت تتعالى الصيحات والصرخات، أنتم إخوة، أُخوة الدم، أُخوة اللسان، إِخوة وجيران، وبالنسبة لطلاب العلم الشرعي؛ فكلا البلدين حنبليتين، وعلى فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فلماذا هذا التشاحن، واستغرب الناس هذا التصرف أيّما استغراب.

ولكن الحقيقة، هي استغراب الناس مما حدث؛ لأنه تحصيل حاصل، وفي نظرة يسيرة للتاريخ العربي والإسلامي، فأول ما يتبادر إلى ذهنك، وأنت تقلب صفحات التاريخ العربي قبل الإسلام، وترى ذاك التناحر والتشاحن، والتباغض الشديد، القبيلة تطحن الأخرى، وتستمر الحرب لا الأيام والشهور، بل السِّنُونَ، والعقود العجاف.

ولم يكن هذا التناحر والتباغض والتشاحن بين القبائل فقط، بل كان بين أهل القبيلة الواحدة، بل العائلة الواحدة، وخير دليل على ذلك أشرف بيت في مكة والعرب قاطبة، والذي منه انحدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان التشاحن والتنافس على أشده؛ لذلك لما أُرسِل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو جهل: [زاحمتنا بنو عبد مناف في الشرف، حتى إذا صرنا كَفَرَسَيْ رِهَان، قالوا: منَّا نبيٌ يوحى إليه، والله لا نؤمن به ولا نَتَّبعِهُ أو أن يأتيَنَا وحي كما يأتيه].

ولا يخفى لمبتدئ في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مدى التناحر والتطاحن والحرب التي أهلكت الحرث والنسل، في يثرب (المدينة الغنية بأرضها الخصبة، ومياهها العذبة)؛ لذلك لما كان أول اجتماع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل الهجرة بالوفد (أول ستة نفر من الأنصار يقابلهم رسول الله سنة 11هـ) فقالوا له: [إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك]. كل الأمل أن يكون اجتماعهم على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان بفضل الله.

ولما عاد المسلمون منتصرين من غزوة حنين، وتلك الغنائم الكبيرة التي رجعت القبائل محملة بها، إلا أن الأنصار لم يغنموا من ذلك شيئا، فوجدوا في نفوسهم؛ لأنهم بشر، ولكن يأتي الحبيب البشير، طب القلوب ودوائها؛ ليشرح لهم الفارق، بماذا رجع الناس، وبماذا رجعتم أنتم: ( َلا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى رِحَالِكُمْ)،

إنه المعنى الحقيقي للحب، وتخضل لِحَى الأنصار من كثرة الدموع .

ويوم أكبر فتنة تواجه المسلمون، بعد التحاق الحبيب بالرفيق الأعلى، فتنة الردة، حتى لما خُوطِب بعض المرتدين، كيف لكم أن تتبعوا مسيلمة، وأنتم تعلمون أنه كذاب، فكان الجواب، ولا غرابة:

(لكذاب ربيعة خير من صادق مضر).

هنا لما تخلوا الأفئدة من حب رسول الله عليه صلوات ربي وتسليمه عليه، يكون هكذا التصرف، وهذا التفكير المليء حقدا ومكرا؛ وعليه فلا نستغرب الحصار اليوم.

هذا جواب صريح واضح، من غير مكر سياسي، ولَا ألاعيب دبلوماسية، لا ولن يجمعنا إلا ما جمع الأولون، وهم السلف الصالح، المأمورون باتباعهم، واقتفاء آثارهم، عليهم الرضوان.

ولكن قليل من هذه الأمة من يعقل هذا الداء الذي ألم بها، ولكن لما الطبيب يشخص العلة؛ فيسهل علاجها، والعلاج واضح يسير، ولكنه ليس الفلسفة العلمانية، ولا الفكر الاشتراكي الشيوعي.

رسالة لكل من يريد الوحدة العربية، أو وحدة دول الخليج؛ لأنه قبل الإسلام ما كانت، ولم يكن شيء اسمه الوحدة العربية، أو التعاون الخليجي، لم يوحدنا ولم يجمعنا إلا محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم)، ولن يجمعنا اليوم إلا اقتفاء أثره.

شئنا أم أبينا (نحن أمة أعزها الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره، أذلنا الله)، وهذا هو تفسير الذل الذي تعيشه الأنظمة التي ابتعدت عن هدي الإسلام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى