الأمة الثقافية

“هجرات المورسكيين”.. كتاب يرصد مأساة مسلمي الأندلس

 
يرصد الباحث المصري عبد اللطيف مشرف في كتابه الأخير الصادر عن دار العربي للنشر بالقاهرة، تاريخ الموريسكيين إبان الفتح الإسلامي لإسبانيا.
 
ويرى مشرف في كتابه الذي يحمل عنوان “هجرات الموريسكيين”، أن المدرسة التاريخية العربية لم تهتم بالموريسكيين إلا نادراً، رغم أن قضيتهم من أشد القضايا إيلاماً في التاريخ، حتى يمكن القول إن الموضوع تعرض لما يشبه الإهمال، وإن كان حظي باهتمامِ الإسبان، وببعض اهتمامٍ من المؤرخين والباحثين المغاربة.
 
ويقول إن ما مرّ به الموريسكيون من أحداث منذ أواخر القرن الخامس عشر وحتى النصف الأول من القرن السابع عشر، تكرر -مع بعض الاختلافات- في سبتة ومليلية، وأبخازيا، وفلسطين، وجامو وكشمير، وفي مناطق أخرى في العالمَين العربي والإسلامي؛ حيث ضاعت مناطق شاسعة من الأراضي، وطُرد ملايين البشر من أوطانهم لأسباب عديدة لا بد من دراستها والتذكير بها.
 
ويؤكد المؤلف على أن دراسة الموريسكيين في إسبانيا واتجاهات هجرتهم، يفتح مجالاً رحباً لدراسة التاريخ الأوروبي في علاقته بالتاريخ العربي والإسلامي.
 
ويشير الى أن الموريسكيين هم المسلمون الذين أُجبروا على اعتناق المسيحية بعد سقوط الأندلس، وتحديداً منذ سقوط غرناطة سنة 1492م، ومع أن الإسبان قصدوا بمصطلح “الموريسكيين” تصغير شأن هذه الفئة المسلمة داخل أراضيهم، فإن مصطلح “الموريسكي” استقر خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر وأصبح الاسم المعتاد لهم، مع أن الموريسكيين في نظر الإسبان هم في الأصل مسلمون وإن أصبحوا “مسيحيين جدداً”.
 
ويتحدث مشرف عن ثورة الموريسكيين المعروفة بثورة البشرات (1569–1571) بقيادة “محمد بن أمية” قائد المسلمين الأندلسيين، والتي لم يُكتب لها النجاح، بل وكان من عواقبها أن زاد الظلم أضعافاً على مسلمي الأندلس، فهُجِّروا من غرناطة إلى مناطق أخرى في إسبانيا، وزاد التنكيل بهم من قِبَل محاكم التفتيش.
 
ويتتبع المؤلف أماكن هجرات الموريسكيين من إسبانيا، مستخدماً مصطلح “الموريسكيين” على أولئك الذين طُردوا من إسبانيا وعلى أحفادهم، خاصة في بلاد المغرب العربي.
 
ويؤكد أن مأساة الموريسكيين استمرت داخل المجتمع الإسباني المتعصّب لدينه المسيحي الكاثوليكي، ثم كان الظلم الأكبر الذي وقع على هذه الفئة بأن أُجبروا على التخلي عن أموالهم وأولادهم وديارهم ومجتمعهم الذي وُلدوا فيه وتربوا وحلموا بأن يموتوا على أرضه، لكن القرار الذي أصدره الملك فيليب الثالث عام 1609 حال دون ذلك، إذ كان بمثابة بدء مرحلة جديدة لمسلمي الأندلس في إسبانيا، وأيضاً بداية لهجراتهم إلى مناطق مختلفة من بلاد المغرب العربي وبلاد البحر الأبيض المتوسط.
 
 
ويلفت المؤلف إلى أن الموريسكيين اضطُهدوا داخل إسبانيا، وضاعت حقوقهم دون ذنب سوى أنهم ليسوا أوروبيين الأصل، وإنهم اتبعوا ديناً مختلفاً عن دين الدولة الإسبانية، مع أنهم كانوا أصحاب حضارة واضحة المعالم في تلك البقعة، وعاش في كنف حضارتهم المسيحيُّ واليهوديُّ دن تفرقة، وذلك قبل أن يسقط آخر معاقل الإسلام، غرناطة، عام 1492، فتبدلت أحوالهم بالتدريج من أكثرية إلى أقلية تحت وطأة التعذيب والإجبار على التخلي عن دينهم وتخصيص محاكم لعقابهم.
 
ويبين أن “المدجنين” هم المسلمون الذين عاشوا في حماية الممالك المسيحية في إسبانيا بعد أن اشتدت حركة الاسترداد في شبه الجزيرة الإيبيرية منذ سقوط طليطلة عام 478هــ/ 1085م وحتى سقوط غرناطة سنة 897هـ/ 1492م. و”المدجنون” مصطلح مشتق من “دجن”؛ أي: قام خاضعاً، لكه حثرِّف على ألسنة الإسبان في بعض الأحيان إلى “دجل” و”دجر”، وصار الموصوف به يُسمى “مدجلاً” أو “مدجراً”، وقد شاع استعمال هذا اللفظ في الكتابات العربية، واحتلت حالة “المدجنين” حيزاً لا بأس به من اهتمام كتب النوازل وعلى رأسها “المعيار” للونشريسي.
 
ويؤكد مشرف أن هذه الجماعات المسلمة قامت بدور فعال ومؤثر في البيئة الإسبانية، ومثلت صورة حية للإسلام والمجتمع الإسلامي بنظمه وتقاليده وعاداته بعد زوال الهيمنة السياسية والعسكرية للمسلمين، حتى أبقى الإسبان على بعضهم واستخدموهم في ممالكهم إدراكاً منهم لأهمية هذه الجماعات وبراعة أبنائها في الفنون والصناعات في الوقت الذي حافظت فيه على عروبتها وتقاليدها، فبقيت آثارها ماثلة للعيان، لا سيما في مجال العمران.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى