آراءمقالات

مناقب شهر ذي القعدة

Latest posts by د. أحمد زكريا (see all)

التعرض لنفحات الله هو التعرض لعطاءات الله، وعطاءات الله غير خيرات الله، فخيرات الله نأخذها بالحواس ويستفيد بها الجسم كالطعام والشراب، لكن عطاءات الله تنزل على القلب الذي صلح وانصلح وأصبح جاهزاً لنزول العطاءات من الله جل في علاه..

 

ففي هذه الأيام والليالي تنزل عطاءات من الله، ومن هذه العطاءات أن تتنزل السكينة  في قلب المؤمن: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ).

 

أن يُنزل الله في قلبه الطمأنينة: (أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) ، أن يجعل الله عز وجل في قلبه نوراً يمشي به في الناس: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ) ، أن يجعل الله له ميزاناً في قلبه يكشف به الطيب من الخبيث، والحسن من السيئ والحق من الباطل: (إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ) .

 

ومن أعظم هذه النفحات الأشهر الحرم التي قال الله فيها: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}

 

وها هو شهر ذي القعدة قد أطل علينا بنسائم الحج،وهو من أشهر الله الحرم.

 

كما قَالَ -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع: “إن الزَّمَان قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ” (رواه البخاري ومسلم).

 

ولعل قبل الحديث عن ذي القعدة نعرج على سبب تسمية هذه الأشهر بالحرم.

 

– لعظم حرمتها وحرمة الذنب فيها، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: “اختص الله أربعة أشهر جعلهن حرمًا، وعظَّم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، وجعل العمل الصالح والأجر أعظم”.

 

– وقال كعب -رضي الله عنه-: “اختار الله الزمان فأحبّه إلى الله الأشهر الحرم”، وقد روي مرفوعًا، ولا يصح رفعه.

 

– وقيل أيضًا: سُميت حرمًا لتحريم القتال فيها.

وقال المفسرون: “إن العمل الصالح أعظم أجرًا في الأشهر الحرم, والظلم فيهن أعظم من الظلم فيما سواهن, وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا”.

 

وفي تفسير قوله تعالى: (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) [التوبة: 36]، قال أئمة التفسير: “في كلِّهن، ثم خصَّ من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حُرُمًا، وعظّم حُرُماتهن، وجعل الذنبَ فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم”.

 

وقال الطبري -رحمه الله-: “الضمير في قوله تعالى: (فِيهِنَّ) يعود على الأشهر الحرم، وذكر أدلته على ذلك، ثم عقب بقوله: فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت, فقد يجب أن يكون مباحًا لنا ظُلْم أنفسنا في غيرهن من سائر شهور السنة؟ قيل: ليس ذلك كذلك, بل ذلك حرام علينا في كل وقتٍ وزمانٍ, ولكن الله عظَّم حرمة هؤلاء الأشهر وشرَّفهن على سائر شهور السنة, فخصّ الذنب فيهن بالتعظيم، كما خصّهن بالتشريف, وذلك نظير قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى)، ولا شك أن الله قد أمرنا بالمحافظة على الصلوات المفروضات كلها بقوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ)، ولم يبح ترك المحافظة عليهن، بأمره بالمحافظة على الصلاة الوسطى, ولكنه تعالى ذكره زادَها تعظيمًا، وعلى المحافظة عليها توكيدًا وفي تضييعها تشديدًا. فكذلك ذلك في قوله تعالى: (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) [التوبة 36].

 

ومن أصح الفضائل التي ثبتت لشهر ذي القعدة:

 

– ذو القعدة من الأشهر الحرم بغير خلاف، وهو أول الأشهر الحرم المتوالية. وقيل: إن تحريم ذي القعدة كان في الجاهلية لأجل السير إلى الحج، وسُمِّي ذا القعدة لقعودهم فيه عن القتال.

 

– هو أيضًا من أشهر الحج التي قال الله تعالى فيها: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) [البقرة: 197]، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: ” أَشْهُرُ الحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو القَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الحَجَّةِ”، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: “مِنَ السُّنَّةِ: أَنْ لاَ يُحْرِمَ بِالحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الحَجِّ” (صحيح البخاري).

 

– سنية العُمرة في شهر ذي القعدة ..

فعُمَر النبي -صلى الله عليه وسلم- الأربع كنّ في شهر ذي القعدة، قَالَ أَنَسٌ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: “اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَرْبَعَ عُمَرٍ، كُلَّهُنَّ فِي ذِي القَعْدَةِ، إِلَّا الَّتِي كَانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَةً مِنَ الحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي القَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ العَامِ المُقْبِلِ فِي ذِي القَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ الجِعْرَانَةِ، حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي القَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ” (متفق عليه).

 

وَعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: “لَمْ يَعْتَمِرْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم إِلَّا فِي ذِي الْقَعْدَةِ” (رواه ابن ماجه بسند صحيح).

 

– ولذي القعدة فضيلة أخرى، وهي أنه قد قيل: إنه الثلاثون يومًا الذي واعد الله فيه موسى -عليه السلام- ففي تفسير قوله تعالى: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً) قال مجاهد: ذو القعدة، (وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ) قال: عشر ذي الحجة. فعلى هذا يكون المقصود بـ(ثَلاثِينَ لَيْلَةً) هي ليالي شهر ذي القعدة.

 

وما أجمل ما قاله ابن رجب في لطائف المعارف:

 

يا من لا يقلع عن ارتكاب الحرام لا في شهر حلال ولا في شهر حرام يا من هو في الطاعات إلى وراء وفي المعاصي إلى قدام يا من هو في كل يوم من عمره شرا مما كان في قبله من الأيام متى تستفيق من هذا المنام متى تتوب من هذا الإجرام يا من أنذره الشيب بالموت وهو مقيم على الآثام أما كفاك واعظ الشيب مع واعظ القرآن والإسلام الموت خير لك من الحياة على هذه الحال والسلام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى