آراءأقلام حرة

ممدوح المنشاوي يكتب: مَعْلَمٌ على الطريق

تقول الحكايةُ إنَّ رجلاً صالحاً أراد أن يسافر إلي بلدٍ بعيدٍ سعياً على المعاش وطلباً للرزق.. وكان عليه أن يجتاز صحراء مقفرة في طريقه إلي تلك البلد.. فأعدَّ الزادَ وهيَّأ الدَّابَّةَ وخرج في طريقه.. كانت الرحلة طويلة.. ولكنه جعل ذكرَ الله تعالى أنيساً له فيها..

 

وكان أثناء سيره (يُلقي) بحبوب (الحِنْطَة) في الطريق من حينٍ إلي آخر لعلَّ طائراً جائعاً يقتات بها فلا يُحرَمَ الثواب.. وفي كل ذات كبدٍ رطبة صدقة كما قال صلى الله عليه وسلم..

 

وصل الرجل الصالحُ إلي البلدة التي خرج قاصداً إياها.. وبدأ يعمل بالتجارة.. ونظرا ً لأمانته وطيب أخلاقه فقد وثق به الناس وأحبوه حباً عظيماً.. وازداد ربحه ونمت تجارته.. وتزوج امرأة صالحة من أهل تلك البلاد وأنجب منها..

 

مرَّت عشر سنوات.. وقرر الرجل أن يعود إلي بلدته ليزور أهله وجيرانه.. وأعد الزاد والراحلة مرة أخري.. وبدأ رحلة العودة.. ففوجئ بأن (معالم الطريق) قد تغيَّرت تماماً.. ورأي أن العمران قد امتد إلي كل شبرٍ في الطريق! سبحان الله! أليس هذا هو الطريق المقفر الذي مررت عبره قبل عشر سنوات! ما هذه البنايات والحدائق والأشجار والحقول!.. قرَّرَ أن يدخل (مدينةً) لاحت له عن بُعْدٍ.

 

وعلى مشارف المدينة كان يجلسُ رجلُ عجوز، فسلَّم عليه ثم قال له متعجباً: لقد مررت من هذا الطريق منذ عشر سنوات.. ولم تكن تلك المدن والبنايات وهذا العمران موجوداً! فمتى حدث هذا التغيير؟! فقال له العجوز: يا بني.. لقد مرَّ من هذا الطريق منذ عشر سنوات رجلُ صالح.. كان يُلقي بالحبوب على تلك الأرض المقفرة.. فأرسل الله المطرَ عليها فنمت واخضرَّت وأينعت.. فلما رأي الناس أن الخُضْرة قد انتشرت ها هنا.. جعلوا أنعامهم ترعي فيها..

 

وأقاموا لأنفسهم دوراً.. وحفروا الآبار وشقوا ترعاً صغيرة وملؤوها بمياه الآبار وتفننوا في ألوان الزراعات.. فاعتدل الهواء وقام الأغنياء ببناء (المصحَّات).. وأقيمت الأسواق التي تجلب البضائع من كل مكان.. وتوسع العمران علي نحو ما ترى!!! فتبسَّمَ الرجل الصالح وتمتم قائلا : (قد علمتُ… ما كان الله ليضيع أجر من أحسن عملا).

 

تتمِّةً للفائدة

 

بلغ الأذى بالنبي صلى الله عليه وسلم في مكة مبلغا عظيما بعد وفاة عمه أبى طالب وزوجته خديجة.. فخرج صلى الله عليه وسلم إلي الطائف كي يدعوَ أهلها إلي الإسلام.. فبالغوا في إيذائه والاستهزاء به.. وأغروْا به السفهاء والعبيد والصبية فجعلوا يقذفونه بالحجارة! فعاد صلى الله عليه وسلم إلى مكة وقد (دَمِيَتْ) قدماه! وقام في منطقة (نخلة) يصلي (صلاة العشاء) ويناجي ربه ويدعوه بذلك الدعاء الشهير الذي تشعُّ منه أنوار النبوة رغم ضعف سنده (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي)!.

 

وأرسل الله إليه في منطقة (قرن الثعالب) جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال كي يأتمر بأمر النبي صلى الله عليه وسلم فى أهل الطائف.. فدعا صلى الله عليه وسلم ربه أن يخرج من أصلاب أهل الطائف من يعبد الله ولا يشرك به شيئا..

 

الشاهد أن الله تبارك وتعالى قد أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بما لم يعلم به صلى الله عليه وسلم من أمر سماع الجن للقرآن أثناء صلاته وقراءته القرآن بمنطقة (نخلة) وإعلانهم للإسلام!!! (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا.. فلما قُضيَ ولَّوْا إلى قومهم منذرين).. وهذا إن دلَّ فإنما يدلُّ على أنه لا ينبغي لك أن تحتقر عملاً صالحا مهما ظننته صغيراً.. فأنت لا تدري أين يمكن أن يصل بك هذا العمل.. ولعل الله عز وجل (يُثمِّرُ) لك هذا العمل وأنت لا تدري.. قرأ النبي صلي الله عليه وسلم القرآن أثناء الصلاة المكتوبة.. ولم يتخيَّل أن قراءته ستكون سبباً لإسلام قبيلة كاملة من الجن! ولولا أن الله عزّ وجل قد أخبره وأخبرنا بهم وبإسلامهم ما علمنا قطعاً.

 

وهذه القصة التي ضربنا بها مثلاً منذ قليل.. الرجل أراد ثواب الطائر الصغير.. فأعطاه الله عز وجل ثواب أهل مدينة بأكملها!.

 

شاهدَ مجموعة من الشباب رجلاً يغرس بذوراً لشجرة مُعمِّرة.. فقالوا له مستنكرين: وهل ستدرك الأكل من ثمرتها ؟! فقال لهم وهو يبتسم : سيدرك أحفادي الأكل من ثمرتها وسيتفيؤون ظلالها… ولو فكَّرَ مَنْ قبلنا بمثل تفكيركم.. لما أكلت أنا ولا أنتم اليومَ من فاكهة الأشجار المثمرة!!!

العبرة هي أن الله عزَّ وجل قد تعبَّدنا بالأخذ بأسباب إصلاح الكوْن ولم يتعبَّدنا بتحصيل النتائج.. فالنتائج ليست إلينا ولن نُسأل عن تحصيلها من عدمه… وينبغي أن يستقر في وعينا أننا وإن لم نكن جيل النصر المنشود الذي سيعيد لهذه الأمة عزَّها ومجدها التليد.. فلا أقلَّ من أن نأخذ بأسباب إعداد هذا الجيل.. وثوابه كاملاً سيكون في ميزان حسناتنا إن شاء الله.. فالله عز وجل.. (شاكرٌ… عليم).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى