أقلام حرة

ممدوح المنشاوي يكتب: على خُطَى المعتزلة والفرقِ الضالَّة!!!

أكتب هذا المقال لمن يهمني أمرُهُ وأوقنُ أنه قد حاد عن الجادَّة وفقد البَوْصَلةَ وهو يحسب أنه يحسنُ صنعا! واللهَ عز وجل أسأل أن يلهمنا وإياه الرشْدَ والصوابَ وأن يهديَنا إلى سواء السبيل.. اللهم آمين.

من المتفق عليه بين العقلاء أنه لا يمكن أن يستقيم ظلٌ لعودٍ أعوج.. وأن فساد المقدِّمات يُفضى حتمًا إلى خللٍ فى النتائج والمُحصِّلات.. وأن الأساس المائل يُؤْذِنُ بانهيار البناء.. أحسب أنه لا يختلف على تلك المقدمة اثنان..

ولا ينتطح  في تلك المسلَّمات البدهية عَنْزان.. والحقيقة أنك إذا ما استوعبت ذلك فلسوف تدركُ سِرَّ انحرافِ جميع الفرق الضالة وانقسامها على نحوٍ  مُتسلسل.. وتبديع وتفسيق..

بل وتكفير بعضها بعضًا (رغم أنهم كانوا في البداية على عقيدة  ومنهجٍ واحد!!! ولكنه الانشطار الطبيعي حين يتغلَّبُ الهوى.. وحين لا يكون الاستقاء من النبعيْن الصافييْن.. أي الكتاب والسُّنَّة).. ولو أخذنا المعتزلة كمثالٍ (على سبيل الحصر لا القصر) فلسوف نفهم المسألة بصورة أوضح.

ذكر الله عز وجل في كتابه الكريم أن هناك من العلماء مَنْ هُمْ  مِن أصحاب القدم الراسخة فى العلم.. قال تعالى في سورة آل عمران {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا} (آية 7)

وإذا كنا نقول إنَّ من عَلِمَ  مسألة فهو بها عالمٌ.. فالحقيقة أنه ليس كل من علم مسألة أو عدة مسائل فهو من أهل العلم  فضلًا عن أن يكون من الراسخين في العلم بالطبع..

والمُشاهَدُ أنَّ هناك نوابغَ يُشارُ إليهم بالبنان في مجالات العلوم الدنيوية المختلفة.. وقد فاقوا أقرانهم ممَّن هم من أهل نفس الصناعة..

وهؤلاء النوابغ يتمُّ تقديمُ  قولِهم على قول أقرانهم خاصة إذا ما اجتمعوا على مسألة واتفقوا عليها..

والشيء نفسه ينسحب على الراسخين في العلم  من العلماء  في شتى جوانب العلم الشرعي.. فإذا ما اجتمعوا على أمرٍ فهو الحق والصواب بإذن الله تعالى..

ولقد ذكر الله عز وجل أن إجماع المؤمنين _فضلًا عن أن يكونوا من أهل العلم الراسخين_ حُجَّةٌ مُلْزِمَةٌ يُعاقب مُخالِفُها.. فقال عز وجل في سورة النساء {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتَّبعْ غيرَ سبيلِ المؤمنين نُوَلِّهِ ما تولى ونُصْلِهِ جهنم وساءت مصيرا} .. (آيه  115)

 ولقد اتفق الراسخون من أهل العلم  من أهل القرون الخَيِّرة الأولى على قواعد أصولية قاموا  باستنباطها من الكتاب والسُّنَّة (وليس من قِبَلَ أهوائهم)..

وكان اتفاقهم على كون القرآن والسنة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم هما المصدران الرئيسان للتشريع.. وأنَّ الفهم الصحيح  واستنباط الأحكام يستدعيان بادئ ذي بدءٍ جَمْعَ كافة أدلة المسألة من الكتاب والسنة مع استحضار مدلولات اللغة العربية ومعرفة الخاص والعام والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ.. إلى غير ذلك من أصول وقواعد الاستنباط  والفهم..

وأحسب أنك أخي (قارئ هذا المنشور) لن تقف عند هذا الأمر كثيرًا  وسوف تراه أمرًا  عاديًا وطبيعيًا ( أقصد اتفاقهم على أن الكتاب والسنة الصحيحة هما مصدرا التشريع  ووجوب سلوك المسالك المتفق عليها بين أصحاب القرون الثلاثة الخَيِّرة)..

ولكن مهلًا.. فهناك من خالفهم في تلك المسألة وهذه المسالك (التي أراها وتراها أنت منطقية وبدهية!)..

فالمعتزلة قد خالفتهم في ذلك الركن الركين  حيث جعلت العقل حاكما على الكتاب والسنة ومُقدَّمًا عليهما.. فما ارتأته عقولهم السقيمة فهو الحق والصواب وإن خالف الكتاب والسنة.. وما أنكرته عقولهم فهو الغي والضلال وإن كان الكتاب والسنة يدُلَّان عليه!

وبناءً على تلك المقدمة الفاسدة  فقد خالفوا السلف في كثيرٍ من المسائل العلمية والعملية.. ولئن كان منهج السلف هو (جَمْعَ) أدلَّةِ المسألة الواحدة الواردة في الكتاب والسُّنة وفَهْمَ الأمر على ضوْء الجَمْع بين الأدلة الواردة في الباب كما ذكرنا آنفا.. فإنَّ المعتزلة ( وجميع الفرق الضالة ) قد خالفوهم وخالفوا منهجهم في الفهم والعلم والاستنباط..

وبالمثال يتَّضح المقال: عقيدة القضاء والقدر.. أهل السنة من سلف الأمة يَجْمَعون كلَّ ما وَرَدَ فى باب القضاء والقدر من الكتاب والسنة الصحيحة  ويفهمون تلك القضية على ضوء تلك الأدلة  مجتمعة..

وتلك الأدلة توضِّحُ أن المرء (مُيسَّرٌ) لما خُلِقَ له.. وأن له مشيئةً وقدرة.. وأن مشيئته تابعةٌ  لمشيئة الله عز وجل.. وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.. ويقولون لا نعرف الجَبْرَ وإنما نعرف ( الجَبْلَ ).. وأمْرُ الله أعظمُ من أن يُعضِلَ أو أن يُجْبرَ العباد..

ولكنه عز وجل يهدى من يشاء فضلًا.. ويضلُّ من يشاءُ عدْلًا.. وهذا من تمام ربوبيته وتصرِّفه في مُلْكِه بعلمٍ وعدلٍ وحكمةٍ.. والقدرُ هو قدرة الله عز وجل..

هذه هي عقيدة السلف في القضاء والقدر.. أما المعتزلة فقد نظروا إلى القضية بعقولهم القاصرة.. وأخذوا الآيات التي تثبت مشيئة العباد وفقط! وجعلوا العباد خالقين لأفعالهم.

كما جعلوا مشيئة العباد نافذةً ومستقلةً عن مشيئة الله عز وجل.. وقالوا إن الهداية والضلال بيد العبد.. فمن شاء هدى نفسَه ومن شاء أضلَّها.. وقالوا إن هذا هو مقتضى العدل.. وسَمُّوا أنفسهم بسبب عقيدتهم في القضاء والقدر (أهل العدل والتوحيد)!

ومع الخلل في الأسس التي وضعوها كمصادر للفهم والعلم  فلقد كان منطقيًا أن يسيئوا الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم.. وأن يتجرأوا على مقام النبوة برفض الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي توضِّحُ بطلان عقيدتهم بجلاءٍ لا لبْسَ فيه ولا غموض.. بل وصل الأمر بكبرائهم حَدَّ التطاول على كتاب الله عز وجل!

فهذا عمرو بن عبيد (وهو من كبراء المعتزلة) يقول: (لو كانت تبت يدا أبى لهب وتب في اللوح المحفوظ لما كان لله حجة على خلقه)!

وقال عن الحديث الصحيح الشهير الذي يرويه ابن مسعودٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة ثم يكون علقةً مثل ذلك ثم يكون مضغةً مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلماتٍ: بكَتْبِ رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيدٌ فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) رواه البخاري ومسلم..

هذا الحديث العظيم يوضِّح بجلاءٍ بطلان عقيدة المعتزلة.. ولهذا قال عمرو بن عبيد إنه لو سمع هذا الحديث بنفسه من النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لن يصدِّقَه!..

وأيضًا فمن عقائد المعتزلة (التي استفادوها من دراستهم لعلوم الكلام الفلسفية العقلية) أن الله عز وجل لا يتكلم على الحقيقة..

وكان كبراؤهم إذا قرأوا قول الله عز وجل {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلَّمَهُ ربُّهُ قال رب أرنى أنظر إليك}……. سورة الأعراف (آية 143).. كانوا يقرأونها ويقولون : ( لو استطعنا أن نحُكَّها لفعلنا.. يريدون إزالتها!!!! ).

وبمناسبة عقيدتهم في كلام الله عز وجل ورؤيته في الآخرة تبارك وتعالى.. فلقد أرسل إليَّ صديقي (الذي قصدت نصحه بهذا المقال) رابطًا لمن يظنُّ هو أنه من أهل العلم.. وكان هذا الرجل يتحدث عن إمام أهل السنة..

وبطبيعة الحال فقد تبادر إلى ذهني أنه يقصد الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.. فإن القول حين يُطْلَقُ بجملة «إمام أهل السنة» فإن الذهن ينصرف تلقائيا إلى الإمام أحمد بلا ريب.. ولكنى فوجئت به يتحدث عن الإمام أبى الحسن الأشعري رحمه الله!

والإمام أبو الحسن في حقيقة الأمر أنموذج فريدٌ يجعلك تتذكَّرُ مقولة أيوب السختياني رحمه الله تعالى..

فقد قال أيوبُ رحمه الله: (إنَّ من سعادة الحَدَث والأعجمي أن يوفقهما الله تعالى لعالمٍ من أهل السُّنَّة)..

والإمام أبو الحسن الأشعري قد وقع منذ صباه في براثن المعتزلة!. وكان زوج أمه من كبار علماء المعتزلة (هو أبو علي الجُبائي)..

وقد أخذ عنه عقائد المعتزلة.. وظلَّ على تلك العقيدة أربعين سنة!!! ثم إنه تبرّأ منها وانتقل إلى المذهب الكُلَّابي (مذهب أبى سعيدٍ الكُلَّابي.. وهو من علماء الكلام أيضًا!)..

ثم إنه رجع عن مذهب الكلابية فى آخر حياته وصرَّح بأنه يعود إلى مذهب إمام أهل السنة والجماعة.. الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى (مذهب الإمام أحمد هو مذهب السلف.. ويُعرف بمذهب أهل الحديث.. ومذهب أهل السنة والجماعة كذلك)..

والحقيقة أن أشاعرة اليوم لم يرجعوا إلى مذهب الإمام أحمد كما رجع إمامهم!! وإنما ظلوا على مذهبه فى الفترة الوسيطة من حياته (أي الفترة التي كان فيها على مذهب الكلابية!).. فمازالوا  حتى يوم الناس هذا ينفون صفة الكلام عن الله عز وجل..

ويقولون إنه كلامٌ  نفسي (كأنه حديث نفس داخلي!).. وإذا كان أهل السنة (وعلى رأسهم الإمام أحمد في محنته الشهيرة.. محنة القول بخلق القرآن ).. وإذا كان أهل السنة يقولون إن القرآن هو كلام الله حقيقة وقد تكلم عز وجل به كلامًا حقيقيًا مسموعًا..

فإن الأشاعرة يقولون إنه كلام نفسيٌ.. وقد خلقه الله في نفس جبريل عليه السلام حتى يبلغه محمدًا صلى الله عليه وسلم!!!.. ومازال لحديثي مع صديقي بقيةٌ إن شاء الله تعالى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى