أقلام حرة

ممدوح المنشاوي يكتب: صفحات مطويات من تاريخنا المجيدأ!     

أرسل ماهان (قائد جيوش الروم) إلي خالد بن الوليد رضي الله عنه (قائد جيش المسلمين) رسولا ممن يجيدون العربية كأهلها (كان اسمه.. جرجة) يطلب لقاءه للتشاور والتفاوض والتفاهم.. وذلك قبيل موقعة اليرموك بأيام قليلة..

فذهب (جرجة) إلي معسكر المسلمين وطلب مقابلة خالد (رضي الله عنه).. وعرض عليه مطلب (ماهان)..

فقال له خالد: قد أوشكت الشمس علي المغيب.. ولكن إذا كان من الغد قابلته إن شاء الله…

ثم أذن (المؤذن) لصلاة المغرب.. ثم أقيمت الصلاة.. فجعل (جرجة) ينظر في انبهار إلي اصطفاف المسلمين للصلاة..  وأخذت التلاوة بمجامع قلبه!

وبعد أداء الصلاة  نظر أبو عبيدة عامر بن الجراح (أمين هذه الأمة رضي الله عنه) إلي (جرجة) بتلطف وتودد وابتسام.. فشجعت تلك الابتسامة جرجة علي الذهاب إليه والتحدث معه…

فقال جرجة لأبي عبيدة: منذ متى دخلتم في هذا الدين؟!

فقال أبو عبيدة: منذ بضع وعشرين سنة.. فمنا من أسلم حين أتاه الرسول (صلي الله عليه وسلم).. ومنا من تأخر إسلامه..

فقال جرجة: هل أخبركم نبيكم أن  نبيا يأتي بعده؟!  فقال أبو عبيدة: قد أخبرنا أنه لا نبي بعده.. كما أخبرنا أن عيسي (عليه السلام) قد بشر به قومه..

فقال جرجة: أنا علي ذلك من الشاهدين… قد بشرنا المسيح براكب الجمل… وما أراه إلا صاحبكم.. أخبرني عن قوله في عيسي (عليه السلام) وما تقولون أنتم فيه؟!

فقال أبو عبيدة: قوله وقولنا هو قول الله عز وجل وهو أصدق القول وأبره: (إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون……..) 

فقال جرجة: أشهد أن هذه  صفة عيسي… أشهد أن هذه  صفة

 عيسي (عليه وعلي نبينا الصلاة والسلام)..

عاد جرجة وأخبر (ماهان) أن خالدا سيلقاه من الغد..

وفي الغد.. ضرب خالد قبة (خيمة) حمراء بين المعسكرين وانتظر قدوم (ماهان) والذي جاء في مجموعة من حرسه الخاص..

فقال عبر الترجمان: يا خالد.. قد أعجبتني هذه القبة فهبني إياها وسل فيها ما شئت (يعني سأدفع لك ما تطلبه دون مناقشة؟!)..

ففهم خالد أنه يريد شراءه.. بل يريد اختباره من ناحية المال؟!

  فقال له: هي لك.. بلا  ثمن؟! 

فقال (ماهان): لقد كنا نجاور العرب ونحسن إليهم.. وما دار بخلدنا أن يغيروا علي أرضنا لجدوبة أرضهم وضنك عيشهم..

وقد أمرنا لكل رجل منكم بزاد وراحلة عليها الإدام والطعام والكسوة مع عشرة دنانير.. ولعلية قومكم.. ألف دينار! ولأميركم ((الصديق أبي بكر رضي الله عنه)) عشرة آلاف دينار..

ثم قال وهو يبتسم: ولك مثلها!!  يعني هنساويك بالأمير يا عم خالد!!! فقال خالد: الحمد لله الذي لا إله غيره…

فرفع ماهان ذراعيه إلي أعلي.. وقال ( يؤمن) علي كلام خالد: نعم  ما قلت.. نعم ما قلت.. فقال خالد: وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله..

فقال ماهان: الله أعلم.. لا أدري.. لعله كما تقول؟! فقال خالد: ما جئنا لأجل رواحلكم ولا دنانيركم ولا كسوتكم.. وإنما جئنا نعرض عليكم هذا الدين..

فإن قبلتموه فلكم فيه ما لنا وعليكم فيه ما علينا فإن أبيتم فافتحوا لنا البلاد (يعني دعونا نعرف الناس بالإسلام).. وأدوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون.. أو دع الله يحكم بيننا في القتال؟!

فقال ماهان في حدة: أما الإسلام فما أبعد دخولنا فيه.. ونحن علي دين لا نفارقه.. وأما الجزية فإن الروم تأخذ الجزية ولا تعطيها.. وأما القتال فلأجله جمعنا لكم هذه الجموع التي لا طاقة لكم بها (كان الروم 240 ألفا والمسلمون 40 ألفا فقط!)..

وأما القتال فلأجله جمعنا لكم هذه الجموع التي لا طاقة لكم بها.. فما قولك؟!

 فنظر إليه خالد.. ثم هب واقفا.. واستدار ميمما وجهه نحو باب الخيمة وقد أعطي ماهان ظهره.. حتى إذا ما بلغ باب الخيمة التفت إلي ماهان وقال له باسما: قولي (تريد معرفة الرد؟!)..

قولي: إنا قوم نحب شرب الدماء.. وقد أخبرنا أنه لا دم أطيب من دم الروم.. ولهذا جئنا..

ثم تركه وعاد إلي معسكر المسلمين..

أولئك أجدادي فجئني بمثلهم :::  إذا جمعتنا يا جرير المجامع

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى