آراءمقالات

معضلة علي الحلبي وأخواتها

Latest posts by مصطفى البدري (see all)

بعدما هدأت قليلًا ثورة الحديث عن (الشيخ) علي الحلبي سواء من المترحمين عليه أو من الفارحين بهلاكه أود أن أبين بشيء من التفصيل:

لماذا بدرت منًا هذه الكلمات التي رآها البعض قد أتت في غير وقتها؛

خاصة ونحن نتكلم حال موت رجل من المسلمين، حتى وصف البعض حديثنا بأنه (حقد دفين – خارجية بغيضة)!!

 

– ويعلم الله أننا نكره ونعادي نزعات التكفير التي تتسع دائرتها لعدة أسباب؛

منها مثل هذه المواقف المستغربة من المنشغلين بالعلم والعاملين في حقل الدعوة!!

 

– كما يعلم سبحانه أننا لا نحمل في قلوبنا حقدًا على أحد من المسلمين،

ولا نتمنى العذاب لهم بين يدي أرحم الراحمين؛ بل إننا حين ندعو لعموم المسلمين يدخل بلاشك علي الحلبي وأمثاله؛ فنحن قطعًا لا نكفرهم.

لكننا لا نخصه بالدعاء، ونذكر بعض طوامه حرصًا على التمايز بين من يقف في معسكر نصرة الدين والأمة، وبين من يصطف مع أعدائنا من الطواغيت والمجرمين.

 

وهاكم القصة

عاصرتُ أواخر عهد المشايخ الثلاثة (ابن باز – ابن عثيمين – الألباني) عليهم رحمة الله.

 

وكان الحديث على أشده في القضايا الثلاثة

(الحكم بغير ما أنزل الله – الجهاد – الولاء والبراء”١”)

وما ينبني عليها في التعامل مع الحركات الإسلامية المعاصرة.

 

وقد حدث بسبب ذلك فُرقة شديدة وتنازع كبير بين المنشغلين بالعلم والعاملين في الحقل الدعوي؛ في حين أن الأمر حينها لم يتجاوز الكلام عن:

 

– هل الحكم بغير ما أنزل الله كفر أكبر مخرج من الملة، أم كفر أصغر يُخشى على فاعله من الوقوع في الردة والخروج من الدين؟

 

– هل يجوز منازعة الحكام السلطة سواء بالمشاركة السياسية أو بتثوير الشعوب عليهم؟

 

– كذلك فيما يتعلق ببعض تفاصيل مسألة الولاء والبراء والتعاطي مع الكفار المحتلين، هل هو كفر أم دون ذلك.

 

– هل تقويم الحركة الجهادية يكون بالنصح والإرشاد باعتبار أنهم يقعون في أخطاء يسيرة يتحملها الوضع الراهن،

أم أنها أخطاء جسيمة لابد من إعلانها والتحذير منها؟

 

هنا ظهر أن المشايخ الثلاثة (مع اختلاف طفيف بينهم) قد تبنوا موقفًا واحدًا تجاه هذه القضايا!!

 

وبالطبع كان هناك الكثير ممن يخالفهم في ذلك؛

فبدأ بعض الطلبة يستنطقون هؤلاء المشايخ بتبديع وتضليل المخالفين لهم

(فكانوا بين مُقِلٍّ ومستكثر / وأحيانًا بين منتبه للفخ وواقع فيه).

 

ورغم ذلك لم يخرج المشايخ الثلاثة عن السياق العام لنصرة الإسلام والوقوف في صف الأُمَّة.

 

لم يكتف هؤلاء الطلبة باستدراج المشايخ للوقوع في مزالق هذه الفتاوى وتوابعها،

بل بدأوا التسلل في تغيير المعادلة وتحويل الدفة،

وكان لهم ذلك عبر إصدار الفتاوى وتأليف الكتب،

وهكذا حتى نقلوا دائرة الصراع إلى داخل الحركة الإسلامية نفسها بعدما كانت الدفة متجهة للأعداء مع الاختلاف في طريقة التعاطي معهم.

 

وبعدما كان يُقال: الحكم بغير ما أنزل الله كفر دون كفر (يعني منكر عظيم تجب إزالته) أصبح عندهم اسمه معصية!!

وفي المقابل الحركات الإسلامية واقعة في البدع؛ واخترعوا قاعدة أسموها: البدعة أشد من المعصية!!

إذن نحارب أصحاب البدع (الحركات الإسلامية) ونسكت عن أصحاب المعاصي (الحكام الموالين للكفار).

 

وكانت هذه هي الطامة الكبرى؛

فبدلًا من أن تنشغل الأُمَّة بمواجهة المحتل والحكومات العميلة،

دخلت في معارك وحروب طاحنة فيما بينها وبين نفسها!!

وتناسينا كل قواعد وأصول الائتلاف والاختلاف، حتى صار يقطع بعضنا بعضًا وأعداؤنا منّا في مأمن!!

 

كثُرت الكتب والمصنفات من هذه المدرسة في هذا الاتجاه لدرجة أنك صرت تُفاجأ في معرض الكتاب بدور نشر كاملة لا تبيع إلا هذه النوعية من الكتب!!

حتى تشعر كأن ماڤيا مسيطرة تنفق الملايين من أجل طباعة ونشر هذا الفكر بين شباب المسلمين!!

 

وليس بين هذه الكتب كتاب واحد يبين جريمة تعطيل الجهاد، ولا كارثة تبديل الشريعة، ولا مصيبة موالاة الكفار!!

ولا أي استنكار لقتل دعاة الإسلام واعتقالهم وتعذيبهم وتشريدهم!!

وبلغ الأمر حد التعاون الصريح مع الأجهزة الأمنية ضد المخلصين والصادقين من أبناء الأُمَّة!!

……………

ومن هنا نقول:

ليس الأمر كما زعم الشيخ محمد يسري أنه رفْضُ أصحاب (المعتقدات الخارجية) الترحم على أصحاب (المعتقدات الإرجائية)؛

وإلا كان رفضه هو الآخر الترحم على المجرم قاسم سليماني صاحب (المعتقدات الرافضية) من هذا القبيل؛

ولننتظر أيضًا (إعلان) ترحمه على ربيع المدخلي ومحمد سعيد رسلان وأمثالهم!!

 

الأمر يا دكتور يسري أن فصيلًا يمثله علي الحلبي ومن هم على شاكلته قد وقفوا في صف أعداء الأُمَّة في وقت المدافعة الذي تحشد الأُمَّة فيه طاقاتها،

خاصة والعدو متمكن منها متغلغل فيها؛ فكانت جماهير الأُمَّة ترمي سهامها في وجه أعدائها ومن وقف بجوارهم،

فلما يموت أحدهم يشعر المسلم بالتناقض إذا أعلن تعاطفه مع من كان يرميه بسهامه منذ لحظات.

 

قد تسمي هذا غِلًّا كما يوحي تصديرك المنشور بالآية الكريمة

{ولا تجعل في قلوبنا غِلًّا للذين آمنوا}

وقد يسميه غيرك حِقدًا على الدعاة إلى الله!!

 

لكننا نسميه صدقًا مع النفس، واتساقًا مع الفطرة، وتثبيتًا للقواعد.

 

فلم يكن (إعلان) الترحم بحاجة إلى إظهار بدعته على قدر ما كان محتاجًا لمراعاة الموقع الذي ظل الحلبي واقفًا فيه إلى أن لقي ربه (الاصطفاف مع الأعداء)!!

 

خلاصة ما أريد قوله: الفرق كبير والبون شاسع بين التلبس ببدعة أو الإصرار على معصية،

وبين تمزيق الأُمَّة وتشتيتها ومناصرة أعدائها والغاصبين لحقوقها والزعم بأنهم أولياء أمورها.

والله من وراء القصد

 

هامش:

 

يمكنكم الرجوع لكتاب: الحكم بغير ما أنزل الله.. أحوله وأحكامه لعبد الرحمن صالح المحمود.

وكتاب الولاء والبراء للقحطاني.

وكتاب أهمية الجهاد في نشر الدعوة الإسلامية للعلياني؛ وقد لخصت أبوابه الأولى في عدة مقالات نُشرت العام الماضي في مجلة كلمة حق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى