تقاريرسلايدر

«معاهدة باردو الجديدة».. حماية أم احتلال؟

«معاهدة باردو الجديدة» يوقع عليها قيس سعيد ويصوت لصالحها برلمان تونس برئاسة الغنوشي وبحزبه الأول النهضة مختارين طائعين غير كارهين سنة 2020 بعد عشر سنوات من ثورة الحرية و الكرامة ثورة 17 ديسمبر!

«معاهدة باردو الجديدة» يوقع عليها قيس سعيد ويصوت لصالحها برلمان تونس
«معاهدة باردو الجديدة» يوقع عليها قيس سعيد ويصوت لصالحها برلمان تونس

كتب: مبروك بن مسعود

من المنتظر أن تستضيف جزيرة جربة التونسية هذه السنة 2021 وفي موعد لم يحدد بعد القمة الـ18 لما يسمى المنظمة الفرنكوفونية الدولية التي تمثل غطاء للتحركات الفرنسية خصوصا في مستعمراتها السابقة، في وقت يتساءل فيه البعض عن مشروع آخر ذي صلة وهو “«المكتب الإقليمي الفرنكفوني لشمال إفريقيا»، هل تم تركيزه بالفعل في  تونس أم لم يتم بعد بناء على القانون الذي صوت له و اقره البرلمان التونسي منذ أشهر.

 

هذا القانون المشار إليه يبدو للمتأمل وكأنه نسخة جديدة من «معاهدة باردو» التي بموجبها احتُلّت البلاد التونسية تحت عنوان الحماية  من قبل الفرنسيس سنة 1881.

 

ولأن كان محمد لصادق باي قد وقّع على معاهدة باردو (القديمة) تحت وقع الخيانة والحصار والتهديد المباشر من قبل بعثة إرهابية فرنسية، فإن «معاهدة باردو الجديدة» يوقع عليها قيس سعيّد ويصوت لصالحها برلمان تونس برئاسة الغنوشي وبحزبه الأول النهضة مختارين طائعين غير كارهين سنة 2020 بعد عشر سنوات من ثورة الحرية و الكرامة ثورة 17 ديسمبر!

 

وبتتبع الأثر الموصل إلى هذه المعاهدة الاستعمارية الجديدة نرصد بعض المحطات المهمة والأحداث والشخصيات والتواريخ ذات الرمزية المعبّرة عن كيفيُة ومراحل وصول فرنسا إلى هدفها باستصدار القانون التونسي المذكور أو ما اعتبرناه نسخة جديدة من «معاهدة باردو»، ومن ثم زرع جسمها المشبوه  المتمثل في «المكتب الإقليمي للمنظمة الفرنكوفونية بشمال إفريقيا» على التراب التونسي.

 

سنة 2017 كان حاتم بن سالم الذي شغل منصب وزير التربية في عهد «التجمع» مديرا عاما للمعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية (ites) الذي تأسس في عهد «بن علي» عام 1993 بعناية فرنسية على ما يبدو!

 

وفي يونيو من نفس السنة أعلن الفرنكوتجمعي «بن سالم» أن معهده نظم ضمن ما يسمى بـ«لقاءات اميلكار» ملتقى أشرفت عليه الفرنسية الكندية المدعوة «ميكاييل جان» الأمينة العامة للمنظمة الدولية الفرنكوفونية?!

 

على هامش هذا الملتقى قدمت تونس بحسب بن سالم طلبا لاستضافة المكتب الإقليمي لشمال إفريقيا للمنظمة الفرنكوفونية؟!

 

بتاريخ 29 جوان 2017 تنقل الإذاعة الوطنية على موقعها الرسمي على الانترانت عن «بن سالم» ارتياحه للشراكة بين معهد الدراسات التونسي الذي يتولى إدارته والمنظمة الفرنسية، كما حدد المحاور التي ترتكز عليها هذه الشراكة وهي:

 

1- مقاومة التطرف

 

2- المساواة بين الرجل والمرأة والحد من العنف بين الزوجين

 

3- الانفتاح على القارة الإفريقية

 

في سبتمبر من نفس السنة 2017 يقع تعيين حاتم بن سالم وزيرا للتعليم في حكومة يوسف الشاهد!

 

أواخر يناير 2018 يزور تونس الرئيس الفرنسي ماكرون مركزا خطابه على موضوع الفرنكوفونية وضرورة تدعيمها في تونس وأنها مصدر ثروة للتونسيين، وقام بتدشين مركز ثقافي فرنسي بمنطقة أريانة معلنا عن خمسة مراكز أخرى سيقع بعثها لاحقا وسط البلاد التونسية وجنوبها.

 

في أكتوبر 2018 يشارك الرئيس التونسي آنذاك السبسي على رأس وفد من بينهم الجهيناوي وزير الخارجية في القمة 17 للمنظمة الفرنكوفونية في أرمينيا والذي حضره الرئيس الفرنسي ماكرون، وأعلن السبسي فيه استعداد تونس لبذل كل إمكانياتها من اجل تنظيم وإنجاح القمة 18  للمنظمة الفرنكوفونية الفرنسية بتونس سنة 2020؟!

 

يوم 15 أبريل 2019 يبرم رئيس الحكومة فرنسي الجنسية وحليف حزب النهضة في تلك الفترة يوسف الشاهد اتفاقية مع المنظمة الفرنكوفونية الدولية  تقضي بفتح مكتب إقليمي لها في تونس.

 

لتقوم يوم 30 يناير 2020 لجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية بالبرلمان التونسي الجديد المنتخب أواخر 2019 والتي تترأسها سماح دمق من حزب قلب تونس بالمصادقة على مشروع القانون 57/ 2019 المتعلق بتلك الاتفاقية.

 

في يونيو 2020 يسقط البرلمان التونسي لائحة تطالب فرنسا بالاعتذار للشعب التونسي عن الاحتلال وجرائمه، وذكر مصدر مطلع أن مكالمة هاتفية مطولة بين الرئيسين التونسي سعيد والفرنسي ماكرون جرت ساعات قليلة قبل التصويت وسقوط اللائحة؟!

 

يوم 22 جوان 2020 يزور قيس سعيّد فرنسا بدعوة من ماكرون ويدلي بتصريحات صادمة هناك لعل أبرزها وصفه للاحتلال الفرنسي لتونس بأنه من قبيل الحماية ولم يكن احتلالا، ليقوم فور عودته من فرنسا بالتوقيع على الاتفاقية المشئومة لانتصاب مكتب الفرنكوفونية في البلاد!!

 

أسبوع فقط بعد عودة سعيّد وتوقيعه أي يوم  30 يونيو 2020  يقع عرض مشروع القانون 57/ 2019 المذكور للتصويت في البرلمان، فيقع التصويت لصالح «معاهدة باردو الجديدة» وتظفر فرنسا بأغلبية 124 صوتا مقابل 15 نائبا فقط اختاروا تونس، ويمر المشروع الفرنسي بسلام!!

 

وبعد التصويت والمصادقة وليس قبل ذلك، تنكشف بنود «معاهدة باردو الجديدة» السرية الخيالية، وملخصها، أن المكتب الإقليمي المراد فتحه في تونس يتمتع بما يلي:

 

– الحصانة القضائية: له ولموجوداته وممتلكاته أيا كان مكانها أو حائزها على التراب التونسي.

 

– الحصانة التنفيذية: الإعفاء من أي شكل من أشكال التفتيش والحجز والمصادرة…

 

– الحرية المالية فلا يخضع لأي نوع من أنواع الرقابة أو الأنظمة المالية أو قرارات وقف الأنشطة المالية، وأن يتلقى أمواله وعملاته ويمسكها ويستخدمها ويحولها إلى عملة أخرى وينقلها داخل التراب التونسي أو إلى الخارج.

 

– حرية الاستضافة والمنشورات والاتصالات واستخدام الرموز(؟؟؟) والحقائب المختومة.

 

– الحصانة من الإيقاف أو الاحتفاظ ومن حجز الأمتعة الشخصية…

 

– الحصانة القضائية لمن يعمل فيه و له حتى بعد إنهاء وظائفهم .

 

تلك هي جملة الحصانات والظروف التي سينشط في ظلها المكتب السري الفرنسي في تونس, وتلك ثمرة إبرام «معاهدة باردو الجديدة», فهل سيظل الرأي العام في تونس على حالته من الجمود وعدم الاستشعار لخطورة ما يقع, أم أن أصوات التحذير القليلة إلى حد الآن وغير المتناغمة هنا وهناك ستنجح في لحظة قادمة ما في تشكيل حالة من الرفض العام والفعال ضد هذه الصفقة?!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى