آراءمقالات

مطهرة الذنوب

Latest posts by بشير بن حسن (see all)

من رحمة الله تعالى بنا، أن شرع لنا من الأعمال ما يكون سببا في غسل أدران ذنوبنا وخطايانا، التي لا ننفكّ عن التلوث بها ، (فكل بني آدم خطّاء وخير الخطّاءين التوابون)

 

وفي الحديث الآخر (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولأتى بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم ).

 

ومن أعظم تلك الأعمال، وأحبها إلى الله، و( أوّل ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة فإذا صلحت صلح سائر العمل وإذا فسدت فسد سائر العمل)، حديث صحيح.

 

الذي يصلي ليس بمعصوم، ولا هو ملك، بل هو بشر، مخلوق كسائر المخلوقات، يتكون من قبضة من طين، ونفخة من روح، وهو يتراوح بين هاتين النزعتين، النزعة الروحية العالية، والنزعة الطينية الدانية، فقد يصلي ويصدر منه الصغائر بل ربما الكبائر، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول (إن فلانا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق!! أي في الليل قوام لليل، وفي النهار سارق!! فقال عليه الصلاة والسلام: إنه سينهاه ما تقول)!!

وهذا مصداقا لقول الله تعالى (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر..) وقوله هنا تنهى: فعل مضارع يفيد التجدد والاستمرار، ولا يجوز الاستدلال بالحديث المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له) هذا كذب على رسول الله، ولم ينطق بذلك أبدا كما قال المحدثون!!

 

فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر من باب أنها وازع يزع صاحبه، الذي يبقى بشرا، يخطئ ويصيب، ولذا جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: إني خلوت بامرأة فقبلتها وفعلت وفعلت غير أنني لم أجامعها!! فقال عليه الصلاة والسلام: أصليت معنا في هذا المسجد؟ قال: نعم، فقرأ عليه قوله تعالى (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين) فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله أله خاصة أم لنا، فقال عليه الصلاة والسلام: بل له ولكم ولأمتي إلى يوم القيامة) رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

 

ولا تفهم من هذا أنني أشجعك على مثل هذه التصرفات ، وإنما المقصود بيان رحمة الله و فضل الصلوات الخمس التي تطهر صاحبها مما يرتكبه بدافع النزعة البشرية التي قد تطغى على الوازع الديني في بعض الأحيان، وهذا هو الذي يفسر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا لما قال لأصحابه يوما (أرأيتم لو أن على باب أحدكم نهرا يغتسل منه كل يوم خمس مرات أيبقى من درنه شيء؟ قالوا لا قال فكذلك الصلوات الخمس) رواه البخاري ومسلم، كذلك الأحاديث الكثيرة الصحيحة التي تبين فضل الوضوء وأنه يطهر الإنسان من آثار المعاصي وأن ذنوبه تخرج مع آخر قطرة ماء!

 

وكذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العصر غسلتها ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها) رواه أحمد عن معاذ بن جبل وهو حسن الإسناد.

 

إن الذي يصلي بتوفيق الله، مهما كان حاله، و تكاثرت ذنوبه ،فهو أفضل عند الله من الذي لا يصلي، لأن الأول لم يقطع صلته بربه، بخلاف الثاني، فإذا قال قائل: أليس هذا نفاقا؟ فالجواب إن النفاق شيء آخر في الإسلام، النفاق هو أن يخفي العبد الكفر ويظهر الإيمان، وليس أن يقع في شيء من المعاصي، وإن كانت تلك المعاصي ينقص بها الإيمان بلا شك، كما أن الله وعد بالمغفرة لكل من عصاه ما لم يكن شركا به سبحانه فقال (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما) وقال أيضا (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللّمم إن ربك واسع المغفرة ) واللمم هو ما لا يكون سببا في استحقاق إقامة الحد عليه في الدنيا، ولا يترتب عليه عقوبة خاصة في الآخرة، أي ما هو دون الكبائر.

 

إذن فالصلاة مطهرة ومغسلة لصاحبها، ولكم أن تفرقوا بين إنسان يتلوث باستمرار لكنه كثير الاغتسال، وبين من يتلوث ولا يغتسل أبدا!! فإذا كان ذلك في المحسوس ففي المعنوي من باب أولى!!

 

فإلى كل من لا يصلي لله، ويتعلّل أو يتذرّع بأنه ما زال عاصيا (شرب خمر، مخدرات، علاقات محرمة… الخ) أقبل على الله بإقامة الصلاة ولو كنت غارقا في تلك المخالفات الشرعية، ولا يشترط أن تتركها بالكلية دفعة واحدة!!

 

فإن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يشرب الخمر ومع ذلك فهو يصلي، ويحب الله ورسوله (رواه البخاري في قصة مشهورة)

 

بل منهم من زنا، وهو يصلي، ومنهم من سرق وهو يصلي،.. وهكذا ولم يحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم بالنفاق أبدا!!

 

إنني لا أقول ذلك تهوينا من هذه القبائح، ولا تشجيعا عليها معاذ الله، ولكنني أقول ذلك تيسيرا لمن ترك الصلاة الطريق إلى الله عز وجل، وحرصا على دوام صلة العباد بربهم مهما كانت أحوالهم!!

 

ولذا كانت الصلاة أول الأوامر في الإسلام، وأعظمها، وآخر وصية للنبي صلى الله عليه وسلم لأمته وهو على فراش الموت، حين كان يقول (الصلاةَ الصلاةَ ومما ملكت أيمانكم).

 

اللهم أعنا على إقامتها حتى نلقاك، ولا تحرمنا لذة الركوع والسجود بين يديك، ووفقنا للتوبة دائما وأبدا يا رب العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى