تقاريرسلايدر

مصر بين مطالب ومخاوف تثبيت الدولة

عودة الدولة المصرية إلى تماسكها وانطلاقها لآفاق وعد بها الرئيس عبدالفتاح السيسي (أد الدنيا)، كان دائما بحاجة إلى تثبيت الدولة، بحسب السلطة القائمة حاليًا، وأثناء مساعي هذا التثبيت ثمة تصريحات وممارسات أزعجت كثيرين في الداخل والخارج.

في نهاية الشهر الماضي، أوصى السيسي، على هامش فاعليات مؤتمر للشباب بالإسكندرية (شمال) إلى ضرورة إعاشة المصريين في حالة فزع من سقوط دولتهم وحمّل الإعلام مسؤولية تنفيذ هذه الوصية حين قال: “أنتم في الإعلام تحتاجون تشكيل فوبيا ضد إسقاط الدولة.. أكرر عليكم العمل بإلحاح حتى يكون هناك فوبيا الخوف لدى المصريين من إسقاط الدولة المصرية”.

ووفق رصد وتصريحات منفصلة للأناضول، طالب معنيون في سبيل دعم ذلك المطلب الرئاسي، بـ4 أمور هي المصداقية، وتحقيق العدل، والسعي للحصول على رضا شعبي جراء وضع اقتصادي ثابت وعدالة اجتماعية، وخلق أجواء سياسية.

بينما أثار آخرون 3 مخاوف من هذا المطلب الرئاسي؛ أولها أن يكون “فزاعة” لإرضاء الناس بالمتاح في ظل تراجع شعبية النظام، أو أن يكون تعبئة للانتخابات الرئاسية المقبلة، أو وجود خطر حقيقي عبر تزايد العمليات الإرهابية.

وعادة ما تقول السلطات المصرية، إنها تتيح حرية التعبير والرأي والتنافس وتسعى لإصلاح اقتصادي وتواجه حربًا كبيرة من الإرهاب، وهذا التراجع الملحوظ في الشعبية، لم ينكره الرئيس المصري، في حديث صحفي في مايو الماضي، قائلًا: “إذا خشينا من الإصلاح وضريبته على شعبية رئيس أو فرصة رئاسة أخرى نكون قد أخطأنا في حق وطن ومستقبل أبنائه”.

الخوف

لم تنقطع دعوات إعلامية رسمية وخاصة مؤيدة لتثبيت الدولة المصرية، منذ خطاب السيسي، في مقابل انتقادات لتوجه إشاعة “فوبيا خوف” عند المصريين قبل رئاسيات 2018.

ومن أبرز تلك الدعوات، أطلق قطاع الأخبار التابع للهيئة الوطنية للإعلام (حكومي) منتصف أغسطس الجاري أسبوعًا تحت شعار “حماية الدولة المصرية من التفتيت والتوعية بمخاطر إسقاطها”، يتضمن محاور منها كيفية التصدي للشائعات، ومساندة قوات الجيش والشرطة، والحفاظ على مؤسسات الدولة، والتوعية بخطط المتربصين.

في المقابل، شهد موقعا التواصل الاجتماعي، “فيسبوك”، و”تويتر”، هجومًا من معارضين للمطلب في تغريدات، وتدوينات، يتحدث بعضها عن أن ذلك الأمر بوابة خلفية للإبقاء على النظام في ظل تراجع شعبيته مع الأوضاع الاقتصادية الصعبة.

واعتبر الكاتب الصحفي المصري، جمال سلطان، مطلب السيسي “خطًأ محضًا، وزلّة لسان غير مقصودة”.

وقال سلطان، في مقال سابق بصحيفته “المصريون” (خاصة) التي يترأسها: “من المؤكد أن التباسًا حدث لدى السيسي فخانه التعبير، لأن الفوبيا مرض نفسي، أساسه خيال غير حقيقي ووهم يرسخ الخوف الوسواسي لدى صاحبه تجاه أشياء محددة، والمفروض أن وظيفة الدولة مكافحة الأمراض وليس زراعتها”.

وأضاف: “لكن الأكثر دهشة في تلك القصة أن خطأ الرئيس، وزلة لسانه تحولا إلى مشروع وطني وبرنامج عمل، حيث نشط وزراء ومحافظون وصحف كبرى وفضائيات تتداول كيفية نشر الفوبيا في مصر”.

وأشار الكاتب المصري، جمال سلطان، إلى أن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها السيسي هي دعوته إلى “حماية الدولة وتثبيت دعائمها، حتى لا تنجح خطط تمزيقها على النحو الذي حدث لدول أخرى في المنطقة مثل سوريا وليبيا”.

وتابع: “هو (أي الطرح الرئاسي) هدف وطني لا شك فيه، وينبغي أن تتضافر جهود كل أبناء مصر من أجله لكن المشكلة الرئيسية في الدعوة أنها تخلط بين الأمرين، بين الدولة والنظام، بين الوطن والرئيس”.

مطالب 

أول المطالب لعدم إسقاط الدولة، هو المصداقية وفق أستاذ الإعلام المصري، صفوت العالم، الذي أشار إلى أن الرئيس المصري كان يقصد دعم الإعلام للدولة في هذه المرحلة الصعبة.

وأوضح “العالم” للأناضول، أن طلب السيسي جاء منقوصًا، لأنه لابد من آليات تُكسب الإعلام درجة من المصداقية والثقة وتُعظّم من المشاركة لدى الناس، حتى يمكن أن يقتنعوا بما يُقدم لهم وما يُطلب منهم.

وأضاف أنه “حتى لو نفذ الإعلام ما طلبه السيسي، هل سيمتثل المواطنون لإعلام لا يقتنعون به، لابد أن يكون الإعلام متنوعًا ومتعدد الاتجاهات، فطبيعة المصريين اختلفت عما قبل”.

وأكد أن “دور الإعلامي دائمًا تنويري وليس ترهيبيًا أو تضليليًا، وأن القدرة الإقناعية للإعلام تأتي بالاستفادة من قادة الرأي المتنوعين، وليس المساندين فقط، وبالتعبير عن كافة الاتجاهات السياسية حتى يشعر المواطن بأن هناك الرأي والرأي الآخر”.

أما ثاني المطالب الأربعة، فهو تحقيق العدل، حيث قال الكاتب المصري، محمد أمين، في مقال سابق له بصحيفة “المصري اليوم” (خاصة): “تثبيت الدولة بالعدل، فالظلم هو الذي يهدد الدولة الآن ومصر لن تتفتت بإذن الله، وفيها جيش مصر العظيم، ولن ينال منها مخططات التقسيم”.

ثالث ورابع هذه المطالب، وفق مختار غباشي، نائب رئيس “المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية” (غير حكومي مقره القاهرة)، هو “بحث الحكومة عن ظهير شعبي لها، وإرضائه، فالمقصود بدعائم الدولة ليس الدستور أو الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وإنما قطاع شعبي ووضع اقتصادي ثابت”.

وأضاف غباشي، في تصريحات صحفية مؤخرًا، أن “آليات تدعيم الدولة تكون أيضًا في وضع استثماري متميز، وخلق جو سياسي متميز به شكل من أشكال الديمقراطية كوجود تنافس حزبي على مصلحة الوطن والمواطنين”.

مخاوف

أول هذه المخاوف، هو أن يكون (الطرح الرئاسي) جزءًا من تعبئة الرأي العام والإعلام للمصريين ضد تغيير النظام والإبقاء عليه، لا سيما في الانتخابات المقبلة، وفق أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، سعيد صادق.

وأضاف صادق في حديث للأناضول: “كلها أدوات لتبرير وجود النظام وشرعيته بأنه يحمي الدولة من السقوط”.

ولفت صادق إلى أن “العد التنازلي للانتخابات الرئاسية بدأ، ومؤتمرات الشباب تعد تدشينًا لحملته الانتخابية (السيسي) كمنبر إعلامي للدعاية للنظام وإنجازاته”.

ومضى قائلًا: “هو (الرئيس المصري) يقول انتخبوني، لأني أمنع سقوط الدولة وأكافح الإرهاب وأنفذ برنامجًا للإصلاح الاقتصادي”.

وفي مايو أعلن السيسي، الذي يمكنه الدستور المصري من الترشح لولاية ثانية وأخيرة، أنه سيقدم للشعب في يناير/ كانون الثاني أو فبراير المقبلين، كشف حساب تفصيلي عن مصر، وما أنجزه خلال فترته الرئاسية، دون توضيح موقفه من الترشح بعد.

ثاني هذه المخاوف عبر عنه الكاتب المصري، محمد أمين في مقال سابق في صحيفة “المصري اليوم” (خاصة)، قائلًا: “أظن أن الرئيس يقصد تمسك المصريين بوطنهم، لدرجة أن فكرة الوطن مقدمة عندهم على لقمة العيش.. الأهم ألا تكون حكاية تثبيت الدولة فزاعة، ليبقى الناس في حالة خوف دائم، ويرضوا بالمتاح”.

وتشهد مصر موجة تضخم كبيرة، جرّاء ارتفاع أسعار السلع، عقب رفع للمرة الثانية لأسعار الوقود خلال الـ8 شهور الأخيرة، ورغم الانتقادات الشعبية اللافتة تقول الحكومة إنها إجراءات ضرورية لتصحيح المسار والإصلاح الاقتصادي.

أما بقاء الخطر على الدولة، فهو ثالث المخاوف التي تثار، لا سيما من المؤيدين للنظام، حيث شدد البرلماني المصري مصطفي بكري، في برنامجه الأسبوعي المذاع على إحدى الفضائيات المصرية الخاصة، الجمعة 4 أغسطس/آب الجاري، على أن “مصر دولة مستهدفة من خلال الإرهاب والعمليات الإرهابية المتكررة”. داعيًا للوقوف معها الفترة المقبلة لمواجهة أي “إفساد وزعزعة لاستقرار الدولة المصرية بهذه العمليات”.

وتشهد مصر خلال السنوات الأربع الأخيرة تصاعدًا في العمليات الإرهابية، لا سيما في شمال سيناء (شمال شرق)، وامتدادها بين الفينة والأخرى إلى عدة محافظات مصرية، دون أن يكون هناك حصر رسمي لضحاياها البالغ عددهم بالآلاف، حسب إحصاءات غير رسمية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى