آراءمقالات

مسار التهدئة بين إسرائيل والمقاومة.. إلى أين؟

Latest posts by د. صالح النعامي (see all)

لا يمكن حصر العوائق التي تحول دون التوافق على مسار للتهدئة بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية فقط في التباين الكبير بين الشروط التي تضعها إسرائيل وتلك التي توافق عليها المقاومة لإنجاز هذا المسار، ولا في موقف السلطة الفلسطينية منه؛ بل أن التباين في المواقف داخل الفصائل والحركات الفلسطينية يمثل عائقا إضافيا يقلص فرص توفر بيئة تساعد على التوافق على المسار.

فالتكتم الشديد على المداولات التي تجريها الفصائل الفلسطينية في القاهرة حاليا حول مسار التهدئة المقترح، وحرص ممثلي الفصائل على عدم إظهار التباينات بينهم، لا يحجبان حقيقة إن هذه التباينات تحول دون التوافق على تطبيقه.

وعلى الرغم من خلافاتها الكبيرة من قيادة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، إلا أن بعض الفصائل لا تبدو متحمسة للموافقة على أي مسار يتجاوز المنظمة والسلطة، حيث أنها تبدو معنية بالحفاظ على شعرة معاوية مع القيادة المتنفذة للسلطة والمنظمة.

تشبث هذه الفصائل بهذا الموقف يعني أن انجاز التهدئة يجب أن يسبقه إنهاء الانقسام الداخلي والتوافق على تطبيق اتفاق المصالحة الوطنية بين حركتي فتح وحماس، مع إدراكها أنها وحركة حماس وسائر الفصائل الأخرى، لا يمكنها أن تتعايش مع الشروط التعجيزية التي يضعها رئيس السلطة محمود عباس لإنجاز المصالحة، وضمنها تفكيك سلاح المقاومة وتسليمه للسلطة، وهو الشرط الذي لم تجرؤ إسرائيل على طرحه خلال كل المداولات التي سبقت طرح مسار التهدئة المقترح.

ويبدو موقف حركة حماس حرجا إلى حد كبير، فعلى الرغم من أنها والجهاد الإسلامي تتحملان العبء الرئيس للعمل المقاوم ضد إسرائيل، إلا أنها في المقابل لا يمكنها أن توقع على اتفاق تهدئة غير مباشر مع إسرائيل بدون الحصول على موافقة الفصائل، على اعتبار أن الحركة هي التي ستتحمل أمام إسرائيل والأطراف الدولية والإقليمية الضامنة تبعات أي خرق للاتفاق.

إلى جانب ذلك، فإن حماس التي تتحمل عبء إدارة الحكم بشكل فعلي في قطاع غزة، معنية بإنجاز اتفاق التهدئة من أجل توفير الفرصة أمام إحداث تحول على الواقع الإنساني والاقتصادي بشكل يخفف من وطأة الظروف المعيشية للناس في القطاع.

وتعي حركة حماس أن تفجر مواجهة شاملة مع إسرائيل ستكون مسألة وقت في حال لم يتم انجاز اتفاق تهدئة يفضي إلى تغيير الواقع الإنساني والاقتصادي في القطاع.

لكن على الرغم مما تقدم فإن الخلافات بين الفصائل يمكن ألا تعيق تطبيق المرحلة الأولى من مسار التهدئة، على اعتبار أن هذه المرحلة تضمن فقط العودة إلى ما كانت عليه الأمور قبل انطلاق حراك مسيرات العودة في 30 مارس الماضي وإحياء تفاهمات التهدئة السابقة التي توصلت إليها حماس وإسرائيل بشكل غير مباشر بعد انتهاء حرب 2014، برعاية مصرية.

لكن المرحلة الثانية من مسار التهدئة التي تفتح الطريق أمام تطبيق مشاريع البنى التحتية الكبيرة، هي التي تردع الفصائل الفلسطينية عن خوض مسار التهدئة بمعزل عن السلطة الفلسطينية، سيما تلك المشاريع التي يخطط لتدشينها في سيناء، على اعتبار أن تدشين هذه المشاريع في هذه البقعة الجغرافية تحديدا يثير الربط بين مسار التهدئة و”صفقة القرن”.

من هنا، فلن يكون من المستبعد أن يتم التوافق على تطبيق المرحلة الأولى من مسار التهدئة دون الإعلان عن أن ذلك ضمن هذا لمسار وذلك ضمن معادلة “الهدوء مقابل الهدوء”، على أن يتزامن تطبيقها مع تكثيف الجهود الهادفة لإحداث اختراق بشأن تطبيق المصالحة، يسهم في اقناع السلطة بالعودة لإدارة شؤون القطاع.

ولا يخدم هذا الخيار فقط الفصائل الفلسطينية التي تتخوف من الربط بين التهدئة وصفقة القرن، بل يخدم أيضا كلا من مصر والأمم المتحدة اللتان تتوسطان لإنجاز التهدئة، على اعتبار أن هذين الوسيطين توصلا لقناعة مفادها أنه لدواع إدارية وقانونية لا يمكن تطبيق المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة بدون السلطة.

إلى جانب ذلك، فإنه على الرغم من الخلافات بين نظام السيسي ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، والتي وصلت إلى حد عدم تردد الأخير في توجيه إهانة كبيرة للنظام من خلال رفضه استقبال مدير المخابرات المصرية عباس كامل أثناء زيارته لإسرائيل، فإن القاهرة غير معنية بأن يسفر اتفاق التهدئة إلى تكريس حكم حركة حماس، التي تعتبرها جزءا لا يتجزأ من جماعة الإخوان المسلمين، التي يناصبها السيسي العداء، مما يجعل النظام معني بعودة السلطة لإدارة شؤون القطاع.

وقد يخدم هذا الخيار رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير حربه افيغدور ليبرمان، إذ أن ذلك يمكنهما من تسويق اتفاق التهدئة داخليا في ظل الاعتراض داخل صفوف اليمين لأي اتفاق يتضمن تنفيذ مشاريع بنى تحتية ضخمة في القطاع دون حل مشكلة الاسرى الإسرائيليين لدى حركة حماس.

مقالات الكاتب د. صالح النعامي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى