آراءأقلام حرة

مزوار محمد سعيد يكتب: الحياء في زمنٍ لا يستحيي من أحد

Latest posts by مزوار محمد سعيد (see all)

في الكثير من معاجم الأرض، أو لنقل معظمها يحمل الإنسان معاني وجوده بين الدفات مثلما يحاول حمايتها بين الأيام وطياتها رغبة منه في الحفاظ على مكانته الزاهية والراقية معا، ورهبة منه خوفا من ضياع ما لا يمكن شراؤه بالمال أو ما يعتقد في أقصى الحالات أنه أثمن من وجوده الفيزيائي في حد ذاته.

وعبر هذه المسالك المتعرجة، بين روابي الروح البشرية في التباسها أثناء مد الوصال مع لغة التعامل مع الناس سواء أنسا أو جدلا، يحاول الفرد الإبقاء على ما يدركه هو دون غيره، يحاول على الدوام التفرغ لما له من مكتسبات يرثها في الكثير من الأوقات، ثم يبلغها كمشعل سيدة نيويورك الذي يبقى مشتعلا بين الصدور وفي أعماق الأنفس.

يبقى الحياء (Modesty) ضمن هذا الاطار، ضمن الجواهر الروحية الثمينة التي وهبها الله للعباد، والتي تغنت بها أساطير آلهة القمر عند اليونانيين القدامى، ليس قدحا وإنما محاولة منهم من أجل الحفاظ على وصال الحشمة والعفاف، وصال الرحب الواسع بين البوادي وعلى قارعة الضفاف، أين يخرّ العالَم على سجادات الروح رهبة ورغبة في بلوغ راحة بعد الرحيل، أو بلوغ هدنة أثناء الترتيل.

الفرد الذي يستحيي هو الفرد الذي له المكانة العليا بين أذهان محبيه، ولطالما جاء في القرآن الكريم ذكر هذه الصفة وارجاعها لتلك الحادثة التي وقعت بين صبايا الحكيم أثناء ورودهن لمنبع الماء وسيدنا موسى عليه السلام، في مشهد ينضح بكل سمات الجمال والوقار فجمع بين زينة الفتاة وشهامة الرجل الأصيل.

كان نبي الإسلام محمد من البشر الذين جعلوا الحياء ممارسة بين العوام كما بين الخواص، فقد كان رجلا يعرف جيدا ما معنى أن تحمل صفة عزيزة كهذه، صفة تترأس الود والرحمة وتتقدم الحميد من الأخلاق، ليشهد له بها العدو قبل الصديق أو العزيز من الأحبة، فقد كان يستحيي حتى ممن لا يستحيون منه، والتاريخ الإسلامي مليء بما ورد من مواقف عديدة لنبي الإسلام عليه الصلاة والسلام في هذا المجال، لعل أعطرها ما وقع بينه وبين أمنا خديجة من حديث وهو الساهر على تجارتها الأمين على مالها.

الحياء خلق جميل، يجعل الفرد يسمو بين أقرانه ويتميز، فهو يأخذ من سيئة الخجل لجم الشهوات دون إطناب، ويحمل من قوة المواقف التريث والرصانة التي تجعل الفرد أكثر اتزانا، لهذا يعتبر من سمات الأقوياء، والسفهاء منا يعتبرونه ضعفا لقلة حيلهم وبلادتهم، فالحامل لصفة الحياء يصبح أكثر تعقلا، والخالع لبردة الاستحياء هو المتهور المجنون بلا فرامل أو ضوابط.

من لا يستحيي سيحمل الكثير من أعباء الزمن دون دراية منه، لأن الحياء في جوهره مرادف للإنسانية، هو الجمال الساكن في الروح، فيتفجر رحيقا جميلا في السلوك والتصرفات، لهذا نجد الحياء لدى الإنسان الفاضل، الهادئ وصاحب المزاج الرائع الممتلك لناصية الثقافة، إذ لا يمكننا تخيل شخصية مثقفة بلا حياء.

بما أن الحياء كان ولا يزال زينة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، أقامت جمعية “جزائر-الخير” أسبوع القيم بالتزامن مع الاحتفال بذكرى مولد خاتم المرسلين عليه السلام، وكان تاج هذا الأسبوع محاضرة حول قيمة “الحياء” ومدى حضورها ضمن واقعنا الثقافي المعيشي كجزائريين.

جميل أن نعيش فترات من الالتزام قصد إحياء قيمة من قيم مجتمعنا الحميدة الغائبة عن البعض من أبنائنا، والأجمل أن نتذكر الحياء على الواقع بدأ بأنفسنا، فنمارسه لدرجة أن يسكن في أفئدتنا ويصبح جزء من تركيبتنا الروحية والاجتماعية، فهو مثل الأكسجين، يحيي الروح بما له من قوام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى