آراءأقلام حرة

مدني مزراق يكتب: رسالة إلى الرئيس الجزائري تبون

Latest posts by مدني مزراق (see all)

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾  

 

الأخ الرئيس عبد المجيد تبون:

 

شفاك الله وعافاك، وأعادك سالما غانما إلى وطنك ومأواك.. وأعانك على حمل عبء الأمانة، وأداء واجب الإمارة.

 

الأمانة، التي قال فيها الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.

والإمارة، التي قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم: « إيّاكم والإمارة، فإنها خزي وندامة يوم القيامة، إلَّا مَنْ أخَذها بِحقِّها، وَأدَّى الَّذِي عليهِ فِيها.» أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

السيد الرئيس:

 

كاذب أنا ومخادع، لو قلت، أن الدستور المعدل كان عملا موفقا.. وكيف يكون كذلك.. وقد خيب المؤيدين، ولم يقنع المناوئين.. وبدلا من أن يجمع كل التيارات التي جمعها حراك 22 فبراير، فرق وشتت الكتلة الناخبة التي جمعها استحقاق  12 ديسمبر.

 

ودجال أنا ومراوغ، إن قلت، أن التعديل جاء بالتغيير المنتظر، والإصلاح المطلوب، والتجديد المرغوب، والتحيين الذي لابد منه.. لأن هذا الدستور لا يختلف عن سابقه، إلا في بعض الرتوشات التي لا تقدم ولا تؤخر في الأمر شيئا.

 

وقد كنا ننتظر منك أفضل من هذا بكثير سيدي الرئيس.. لكنك استعجلت الوصول إلى الغاية، دون أن توفر لذلك الأسباب، وقفزت على المراحل قفز المنبثّ على راحلته، وقد علمت كما علم الناس، بأن المنبث لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.

 

و كنا قد ذكرناك و نصحنا لك، في بيان أبّنا فيه الفقيد أحمد قايد صالح رحمه الله، قائلين: إن استكمال مشروع الشهداء،  بتجسيد الدولة الجزائرية المستقلة السيدة، الديمقراطية والاجتماعية ضمن إطار المبادئ الإسلامية.. هو عَهْدٌ فِي رِقَابِ الإِسْلَاِميِّينَ النُّزَهَاء.. وعَهْدٌ فِي رِقَابِ الوَطَنِيِّينَ الأُصَلَاء.. َوعهْدٌ فِي رِقَابِ الدِّيمُقْرَاطِيِّينَ الشُّرَفَاء.

 

هو عَهْدٌ فِي رِقَابِ الشَّبَاب.. وعَهْدٌ فِي رِقَابِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء.. وعَهْدٌ فِي رِقِابِ الشُّيُوخِ وَالأَطْفَال.

 

هو عَهْدٌ وَأَمَانَةٌ وَوَصِيَّة.. فِي عُنُقِ الرَّئِيسِ المُنْتَخَبْ، الأَخْ عَبْد المَجَيد تَبُّون، كَيْ يَمْضِي عَلَى طَرِيقِ الشُّهَدَاء، وَيَقْتَفِي أَثَرَ النُّفَمْبَرِيِّينَ الأُصَلَاء، مُتَوَّكِّلًا عَلَى اللهِ العَلِيِّ القَدِير، مُسْتَعِينًا بِالأَحْرَارِ الشُّرَفَاءِ أَيْنَمَا كَانُوا، فِي حِوارٍ شَامِل، تُشَارِكُ فِيهِ كُلُّ مُكَوِّنَاتِ المَجْمُوعَةِ الوَطَنِيَّة، مِنْ دُونِ إِقْصَاءٍ أَوْ تَهْمِيش، يَصِلُونَ مِنْ خِلَالِهِ، إِلَى كِتَابَةِ مِيثَاقِ الشَّرَفَ الوَطَنِيِّ الجَامِع، وَصِيغَةِ الدُّسْتُورِ التَّوَافُقِيِّ القَاطِع، وَتَفْصِيلِ المَشْرُوعِ النُّفَمْبَرِيِّ المَانِع، الَّذِي يَجْمَعُ شَمْلَ الأُمَّة، وَيُوَحِّدُ كَلِمَةَ الشَّعْب، وَيَضْمَنُ اسْتِقْرَارَ الدَّوْلَةِ وَدَوَامَهَا، وَتَقَدُّمَهَا وَازْدِهَارَهَا.

 

الحِوَارُ وَالمْصَالَحَةُ، وَلَيْسَ الخِصَامُ وَالمُنَاطَحَة.. التّضَامُنُ وَالمُآخَآة، وَلَيْسَ التَّفْرِقَةُ وَالمُجَافَاة.. التَّعَاوُنُ عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى، وَلَيْسَ التَّعَاوَنُ عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَان.. بِهَذَا، وَبِهَذَا فَقَطْ.. نَحْفَظُ العَهْدَ، وَنَصُونُ الوَدِيعَة، وَنُؤَدِّي الأَمَانَةَ، وَنُحَقِّقُ أَحْلَامَ الشُّهَداء.

 

تماما، كما ذكرنا ونصحنا قبلك، الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أيام الربيع العربي، حين اشتد الخناق على الحكام العرب و حوصروا من كل جانب، الشعوب من جهة، ودول الهيمنة والاستكبار من جهة أخرى.. حتى ضاقت عليهم الدنيا بما رحبت، وظنوا أن لا مفر من الشعوب إلا بالرجوع إليهم، والاحتماء بهم.. فكتبنا له قائلين:

 

لقد آن الأوان، لفتح نقاش جريء وصادق، يشارك فيه، المؤهلون من كبار رجال الدولة، والعلماء وفقهاء القانون، والشخصيات الوطنية، والفعاليات المؤثرة في المجتمع، ينتهي بتعديلات وتصويبات، تؤمن الجزائر دستوريا، لعشرات السنين.

 

عندها، وعلى ضوء الدستور الجديد، تسن القوانين التي تحكم وتنظم، نشاطات الأحزاب والعملية الانتخابية، التي يجب أن تكون من الوضوح والدقة، بحيث تسمح لنا أن نعرف الحد الفاصل، بين الممنوع القضائي، والمباح السياسي، إذ أنه من العار، وجود سجناء الرأي، في دولة تدعي الحرية والديمقراطية..

 

إذا تم لنا هذا، نمضي مباشرة ودون تردد، إلى الإصلاح السياسي.. وهل الإصلاح السياسي، إلا فتح المجال، أمام كل الجزائريين دون إقصاء أو تمييز، ليمارسوا حقوقهم المدنية كاملة غير منقوصة ؟..

 

وهل الإصلاح السياسي، إلا تنظيم انتخابات شفافة حرة ونزيهة، نتعرف من خلالها، على النخب الحقة، التي يختارها الشعب السيد، عن طواعية ورضا، لتمثله وتتكلم باسمه داخل مؤسسات الدولة، أين تشرع القوانين، وتدرس المشاريع، ويتم الحل والعقد؟

 

حينئذ سيدي الرئيس.. يكون قطار الجزائر، الذي ينقلها إلى مصاف الدول المتقدمة، قد وضع فعلا على السكة الصحيحة.. ذلك، لأن الحلول التي احتار النظام المهترئ التائه في الوصول إليها، بهدف القضاء على المشاكل والعراقيل، التي دمرت وعفنت، المنظومات التربوية والإدارية والإقتصادية والقضائية، وخربتها، ستصبح من تحصيل الحاصل.. لأن التنافس الشريف الجاد، بين النخب التي يفرزها المجتمع، هو الطريق الأقصر، والسبيل الأسلم، للوصول إلى الرأي السديد، والأسلوب القويم، والعمل الصواب، في تصحيح وتحسين كل مناحي الحياة.

وقد قلنا، ونقول، ولازلنا نصر على القول.. بأن صياغة النصوص التفصيلية الملزمة، سوف يقضي نهائيا على التفسيرات المتناقضة، والاختلافات حول المفاهيم، وسيضع قطعا الحد الفاصل، بين المباح السياسي والممنوع القضائي، ومجال المباح الذي أجازه الشرع وحدود الحرام التي حددها اللّه ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.. وهنا تبرز جليا، أهمية كتابة ميثاق الشرف الوطني، الذي يتضمن النصوص المدققة، والمصطلحات المحددة، لكل المواد الدستورية، بحيث يمنع منعا كليا، أن تفسر المادة الدستورية أو تطبق، شكلا ومضمونا، إلا على النحو الذي شرعت لأجله.

 

ولأن ميثاق الشرف الوطني، يحتاج إلى حوار عميق وشامل، بمشاركة ممثلي مكونات المجموعة الوطنية، دون إقصاء أو تهميش.. فقد اقترحنا إنشاء هيئة سيدة، تضم عددا محدودا، من  رموز ثورة التحرير وكبار الساسة وعلماء الدين وقادة الرأي، ممن يتمتعون بالاحترام والقبول، على أن تكون تحت رعاية رئيس الجمهورية، بصفته منتخبا ومزكى من فئة محترمة من الشعب السيد، لتشرف على تنظيم وإدارة جلسات الحوار الوطني، وصياغة الميثاق الوطني، وعلى ضوء ذلك تتم التعديلات الضرورية للدستور.. بهذا فقط نحقق مطلب الدستور التوافقي الجامع، الذي يوحد الشعب ولا يفرقه، ويقوي تماسك المؤسسات ولا يفككها، ويضمن استمرار الدولة ولا يهدد وجودها أو يزعزع أركانها.

 

السيد الرئيس.. من غرائب الموافقات والمفارقات وعجائب القضاء والقدر، أن السيد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، عندما دعا الشعب للاستفتاء على مشروع الوئام المدني والمصالحة الوطنية، طرح سؤالا عجيبا غريبا.. هل أنتم مع السلم والاستقرار أم لا؟.. وبذلك حشر الجميع في الزاوية الضيقة.

 

وها أنت تحذو حذوه، وتحشرنا بدورك في الرواق الضيق، وتضعنا أمام سؤال حول خيارين، أحلاهما مر وأمرهما قاتل.. هل أنتم مع خيار المشاركة في الاستفتاء، للمحافظة على بقاء الدولة وإصلاحها تدريجيا لتحقيق التغيير المنشود؟.. أم أنتم مع المقاطعة وتفكيك الدولة، لإعادة تأسيسها عبر مرحلة انتقالية تقودنا إلى المجهول؟

 

والجواب عند كل الوطنيين الغيورين، واضح لا يحتاج إلى طول تفكير.. هو المشاركة وإن كانت على مضض.

 

وعليه.. فاعلم أيها الرئيس، هدانا الله وإياك، إلى الرأي السديد والأمر الرشيد والعمل المفيد.. أن قرارنا هو المشاركة، إليها ندعو وعليها نحث كل من يهمهم الأمر، من أبناء هذا الشعب العزيز، ليعبروا عن أرائهم يوم الاستفتاء بكل حرية وسيادة.. لكن، عليك أن تعلم كذلك.. بأن الذين سيصوتون بنعم، يقصدون بها: نعم للمصالحة العادلة والحوار العميق.. نعم لفتح المجال السياسي والإعلامي أمام كل الجزائريين.. نعم للانتخابات الحرة والنزيهة.. نعم لحرية التعبير والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، في ظل الدولة الجزائرية المستقلة السيدة، الديمقراطية الاجتماعية ضمن إطار المبادئ الإسلامية.

 

وأن الذين سيصوتون بلا، يقصدون بها: لا لدولة الاستبداد والرأي الواحد والكيل بمكيالين.. لا للإنفراد بالقرارات المصيرية للأمة.. لا للإقصاء والتهميش وغلق المجال السياسي والإعلامي.. لا للانتخابات المزورة.. لا للدولة اللائكية التغريبية.

 

وأن الذين سيصوتون بالورقة البيضاء، يقصدون بها: لا للمماطلة.. لا للمراوغة.. لا للهروب إلى الأمام.. نعم للتغيير الحقيقي، لا لذر الرماد في العيون.. نعم للمصالحة العادلة، لا للتمييز العنصري.. نعم لدولة الحق والقانون، لا لدولة الباطل والجنون.. نعم لدولة الشهداء لا لدولة العملاء.. نعم للتعاون على البر والتقوى، لا للتعاون على الإثم والعدوان.

 

ألا فلتحيا الجزائر حرة مسلمة أبية.. وليعش شعبها حرا عزيزا سيدا.

 

في الأخير، لم يبق لي أخي الرئيس، إلا أن أجدد دعائي، وأكرره ملحا متضرعا إلى الله العلي الكبير، بأن يعجل لكم الشفاء، ويمدكم بالصحة والعافية، ويردكم إلى أرض الوطن سالما غانما.. إنه على مايشاء قدير وبالإجابة جدير.

 

حُرِّرَ يوم السبت 31 أكتوبر 2020 م

الموافق لـ 14 ربيع الأول 1442 هـ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى