آراءأقلام حرة

مدني مزراق يكتب: بيان لعله يفيد الرئيس تبون

Latest posts by مدني مزراق (see all)

بسم اللّه الرحمن الرحيم

﴿ كُلُّ مَنۡ عَلَيۡهَا فَان، وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰالِ وَٱلۡإِكۡرَامِ ﴾

.. يموت الإنسان.. وتبقى أعماله وآثاره ظاهرة.

ويموت الرجال.. وتبقى مواقفهم ومناقبهم شاهدة.

ويموت الدعاة.. وتبقى بعدهم دعوة الله خالدة.

الموت حق، وهو يقين لاشك فيه.. وكل مخلوق وإن طال عمره، من كأس المنية لا محالة شارب.

من لم يمت بالسيف مات بغيره        تعدّدت الأسباب، والموت واحد

.. بالأمس، قبرنا أخانا، الشيخ علي جدي رحمه الله تعالى، وتركناه في مثواه، وعدنا إلى بيوتنا راجعين.. تركناه في حفرة موحشة، لامال فيها ولا سلطان، ولا أهل ولا جيران، ولا إخوان ولا خلان.. تركناه وراءنا، وحده، يمتحن بالسؤال.. ليس معه إلا ما قدّم من أعمال.

 

ولأننا نؤمن، أن لا أحد يدخل الجنة بعمله، ولو كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، إلا أن يتغمده الله برحمته، ويشمله بعفوه ومغفرته.. فقد تركنا أخانا وأحد شيوخنا، وديعة وأمانة عند اللّه الغفور الرحيم، وعند اللّه لا تضيع الودائع والأمانات أبدا.

 

اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار..

اللهم إنك تعلم وأنت علام الغيوب، أن عبدك علي جدي، قد قضى جل عمره، يدعو إلى دينك دين القرآن، ويدافع عن شريعتك شريعة الإسلام، وينتصر لحكم رسولك رسول الحق والسلام.. اللهم وسع مدخله، وأكرم نزله، واغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وتقبله في الصالحين.. واحشره اللهم في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا… وارزق اللهم أهله وذويه، الصبر والسلوان، والتقوى والإيمان، والثبات على طريق الإسلام… آآآميين.. يارب العالمين.

 

وقد التقيت بالمناسبة، الشيخين الفاضلين، أخي أحمد بن عيشة وأخي علي بن حجر، ورأيت جيل التسعينات وما فعل به الزمان.. رأيت رجالا كانوا بالأمس شبابا، يجوبون البلاد طولا وعرضا، وكلهم نشاط وحيوية.. رأيتهم قد تقدم بهم العمر، وهجم الشيب على وجوههم ورؤوسهم، ولسان حالهم يقول:

… ألا ليت الشباب يعود يوما… فأخبره بما فعل  المشيب.

 

فرجحت عندئذ، بأن أفضل تعزية تكتب في حق الراحل، هو ما يعيد مشروع الجبهة الإسلامية إلى الواجهة، ويضع قضيتها من جديد على الطاولة.. لذلك قررت إعادة نشر هذا البيان.. وهو، وإن كان صالحا ومفيدا في وقت حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، فهو قطعا، في وقت الرئيس الأخ عبد المجيد تبون أصلح وأفيد.

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا * وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾

 

لأحداث تحدث.. وظروف تطرأ.. ومعطيات تتوفر.. ودوافع تفرض منطقها.. تنشأ الجمعيات والمنظمات والتحالفات.

وبشروط وأسباب وأهداف معينة، يُعلن عن ميلادها وبداية نشاطها.

والجبهة الإسلامية للإنقاذ، واحدة من التشكيلات التي جاءت بها أحداث أكتوبر1988 إلى الساحة السياسية.. ولأن الرجال الذين أسّسوها، كانوا من أبناء الحركة الإسلامية، آمنوا بمبادئها واعتمدوها، فقد ظهر الحزب، ومن أوّل يوم، في صورته الواضحة الصريحة، التي لا تحتاج إلى تفسير أو تقبل أي تأويل.

 

فكانت الانطلاقة على هدي من الله ورسوله، وبمباركة الشعب، شبابه وشيوخه، وبموافقة النظام الحاكم، حمائمه وصقوره، وبترحيب من المجتمع الدولي، شرقيّه وغربيّه.

 

ولقد خضعت الجبهة الإسلامية في كل نشاطاتها لما تقتضيه قوانين الجمهورية، فشاركت في الانتخابات وفق قواعد اللعبة التي وضعتها السّلطة، وفازت في جميع الاستحقاقات بالأغلبية الساحقة.. ونظّمت التجمّعات والمسيرات والإضرابات سلميا، في إطار ما يسمح به دستور البلاد، فبرهنت للحاضر والغائب، والقاصي والداني، أن الشعب في سواده الأعظم، طوع أمرها ورهن إشارتها.. وبات محسوما لدى الرأي العام الوطني والدولي، أن الجبهة هي القوة السياسية الأولى في الجزائر دون منازع، ولم يبق أدنى شك عند المناصرين و المناوئين، أن التغيير في الجزائر قد قرّره الشعب وفصل فيه، وأن تيارا جديدا سيقود سفينة البلاد لخمس سنوات لاحقة على الأقل.

 

..  غير أن يدا آثمة، نشك في كونها جزائرية، تحرّكت في الظلام، فجمعت بيادقها المتخندقة في مفاصل الدولة ودهاليز النظام، وحرّضتهم على قطع الطريق أمام دعاة الخير وأولاد الحلال، خوفا على مصير أهل الشر و دعاة الضلال.. وسبحان من قال ﴿ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾.

 

وبأمر دُبِّر بليل.. ودون مقدّمة أو سابق إنذار.. وفي عشية يوم أسود.. وعبر شاشتهم التي سخّروها لتعذيب الأمة وضرب قيمها وأخلاقها.. أخبرونا.. أن البلاد أمست بغير رئيس ولا برلمان.. فألغي القانون، وأطفئت الأنوار.. وحلّت الفوضى.. وعمّ الظلام.. وبدأ الاقتحام.. والإعتقال.. والإنتقام..

 

ولقد كان لإجهاض الانتخابات البرلمانية التي نظمت نهاية سنة 1991، والسطو على اختيار الشعب، وما تابع ذلك من اعتقالات ومداهمات ومطاردات، من طرف دعاة الاستئصال والتغريب، الأثر البالغ، والمعطى الأساس، في نشأة وظهور الجيش الاسلامي للإنقاذ، الذي أعلن صراحة في بياناته الأولى  أنه ما جاء لفتنة، ولا لشق عصا طاعة، وإنما ارغم رجاله على التكتل في هذا الإطار،  دفاعا عن النفس أولا، وذودا عن ثوابت الأمة واختيار الشعب ثانيا، وحماية ونصرة للمستضعفين المعذبين المستغيثين ثالثا ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾.

 

كانت البيانات والنداءات تتوالى مذكرة نبل المقصد، محددة موضحة الهدف والمطلب، داعية الغيورين والصادقين إلى تحمل المسؤوليات، بوطنية وإخلاص، وصبر وثبات، مُحذرة من الأخطبوط الاستئصالي التغريبي ’القتال‘، الذي امتدت أذرعه إلى كل القطاعات الحيوية في الدولة ومؤسساتها.

 

ولقد كان للرجال الصادقين الأوفياء، صبر وجلد، في السجون و المعتقلات و الجبال، وثبات وشدة على المواقف والمبادئ.. صبر، سيُذكر إذا ذُكِر الصبر، وثبات، يوشي غرة التاريخ عزة وكرامة.

 

ولقد خاض الجيش الإسلامي المعركة، وقاتل قتال الأحرار الشرفاء، الذين لهم من دينهم وازع ورادع، ومن رجولتهم شدة وصفح، ومن ضميرهم معاملة بالحسنى وإنسانية.

 

ولكن، الحرب هي الحرب.. يبعثها القوي تجبرا وتكبرا، وينأى بكلكلها الضعفاء التعساء.. يعرف مترتباتها وآثارها من خاض غمارها، وشرى وباع واكتوى بلهيبها اللافح.. ولا يقدر لها قدرا، ولا يعرف لها جمرا ولا قرّا ولا صرا، كل جبان خائر العزم والقوة، أخفاه خوفه وهلعه، في القلاع والحصون والمحميات.

 

وهؤلاء في بلدنا، هم التجار الحقيقيون بالأزمة.. لهم أبواق في كل مكان، كلما أشاروا إليهم، نهشوا لحمك طعنا وسبا وقدحا.. يحاولون بعث الفتنة مرة بعد مرة، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله.. يؤجرون على القتل ويدفعون، ثم يمشون في الجنائز نفاقا وضحكا على الذقون، ﴿ هم العدو فاحذرهم، قاتلهم الله أنى يؤفكون ﴾ لا يخسرون من خراب الوطن شيئا، ولا من ذهاب ريحه، فلهم في الضفة الأخرى، مسكن ومأوى وأهل وجيرة، يوالونهم ويحمون مصالحهم.. كيف لا.. وهم عيونهم المبثوثة في ديار الإسلام، وفؤوسهم الهادمة في قلاعه، وأقلامهم المسمومة على صدره.. ويالها من عمالة رخيصة عاهرة، لم يأت الزمان بمثلها لا في الأولين ولا في الآخرين.

 

أيها الناس.. إننا دافعنا عن أنفسنا، ولكن بكرامة، وقاتلنا ولكن بشرف.. وعلى قلة ذات الشوكة في اليد، وعلى الفرق الهائل بين الطرفين في العدة والعتاد.. ورغم قساوة الوضع وطبيعة المعركة، ورغم الاعتداء البين، والتعدي الواضح الصارخ، أمام العالم كله، إلا أننا آلينا على أنفسنا أن تكون المعركة جزائرية، وأن لا نسمح بأي استعانة خارجية مهما كانت، لأننا ندرك جيدا مغزى التدخل الخارجي، ونعرف معانيه ومراميه.. فنحن أبناء جزائريين أحرار و شهداء أبرار ومجاهدين ثوار، وأتباع دين يحرم الاستعانة بالكفار، على الإخوان وأهل  الدار.

 

وقد كانت للجيش الإسلامي، مبادئ ومواقف حاسمة، لا يخشى معها في الله لومة لائم، ولا بطش جبار ظالم.. في ردّ الطغيان والوقوف في وجه إرهاب النظام، ومحاربة دعاة استئصال التيار الإسلامي من جذوره.. كان له موقف.. في قضية الوحدة المزعومة مع الجماعة الإسلامية المنحرفة.. كان له موقف.. في الموقف من غلاة ’الجيا‘ ومحاربتهم.. كان له موقف.. في الدفاع عن الشعب وحمياته.. كان له موقف.. في الإكبار بعلماء الجزائر ومجاهديها وكافة الأحرار فيها.. كان له موقف.. في الإبقاء على باب الحوار مشرعا.. كان له موقف.. في فرض السلم قهرا على دعاة الاستئصال والتغريب والفتنة.. كان له موقف.. في جبر كسر الأمة، ومحاولة تضميد جراحها بالتأني والصبر.. كان له موقف.. في الانحياز الواضح واللامشروط، إلى الدين والوطن الشعب.. كان له موقف.. وعدّد ما شئت إن كنت منصفا عادلا، غير حاقد ولا جاحد.

 

وعلى هذا الأساس، قدّمنا حلولا واقعية، لو سمعوا.. وطرحنا طروحات موضوعية، لو قرأوا.. ووقفنا مواقف وطنية، لو صدقوا.. لكن، يبدو أن حالنا معهم، كما قال الشاعر:

لقد أسمعت لو ناديت حيا     ولكن لا حياة لمن تنادي

ولو نار نفخت بها أضاءت       ولكن أنت تنفخ في رماد

﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾

 

السيد الرئيس..

لقد وجّهنا خطابا لمنظمة آبائنا المجاهدين، في بيان ترحمنا فيه على الراحل السيد عبد الحميد مهري، تقبّله الله في الصالحين.. وكنا نعتزم مخاطبة قائد الأركان، وقائد المخابرات، ووزير الداخلية، وقادة التحالف الرئاسي، كلًّا على حدة، يقينا منا أنهم مسؤولون عن القرارات الأخيرة التي رسّمت، ظلما وعدوانا، وبقوة القانون، إقصاء أهم طرف في معادلة أزمة الثقة في الجزائر، ألا وهو التيار الفائز في الانتخابات الحرّة والنزيهة سنة 1991م.

 

ولأنكم يا سيدي الرئيس، تصرون على ممارسة صلاحياتكم كاملة غير منقوصة، فقلتم وسمع الناس، بأنّكم لن تقبلوا أبدا أن تكونوا ثلاثة أرباع الرّئيس، وأكدتم وتأكّدون في تصريحاتكم، وبما لا يدع مجالا للشك، بأن المجاهد سي عبد العزيز بوتفليقة، هو القاضي الأول في الجزائر ’ورب المقلى فيها‘ كما يقولون.. فإننا لا نجد أسلوبا آخر لمخاطبة من هم في النّظام، وعلى رأسهم من ذكرناهم آنفا، إلا عبر سيادتكم وفخامتكم.. فنقول وبالله التوفيق:

 

لم نفهم البتّة، لماذا تصرّ السلطة على الاستمرار في صياغتها المريضة، وتفسيرها الخاطئ، لمشروع المصالحة الوطنية الشاملة، رغم أنّ الشّعب الجزائري صوّت عليه في استفتاء 1999 بأكثر من 90%، وأيّده في الإنتخابات الرئاسية 2004 بأكثر من 80%.

 

هل يسعى النظام للمراهنة على الوقت، محاولة منه لإقناع الرأي العام الوطني والدولي، بأنّه لم يكن المتسبب الأول في الأزمة بعد أن أوقف المسار الانتخابي الديمقراطي، وسلّط أبشع العقاب والعذاب على الأغلبية الساحقة من أبناء الجزائر، الذين صوّتوا لصالح الحل الإسلامي؟

 

أم يريد النظام مواصلة سياسة العلاج الظرفي، بإعطاء المهدئات والمسكنّات لهذه الفئة أو تلك، ظنّا منه أنّ الزّمن سيروض الثّائر، ويُلهي المتألم المجروح، ويدفع بأصحاب المبادئ للتخلّي عن قناعاتهم ومشاريعهم؟

 

لماذا يأبى النظام إلا أن يزيّف الحقائق، ويتجاهل الأحداث، ويعمد إلى أسلوب النعامة في الدّفاع عن نفسها حينا، ويعتمد سياسة الهروب إلى الأمام حينا آخر؟

 

إنّ المصالحة يا سادة، ليست طلاسم يستدعي فكّها حضور الكهنة والمنجمين، كما أنّها ليست لغزا محيّرا تعب في حلّه العقلاء والدّهاة وأهل المنطق.

 

إنّها ببساطة، مطلب واضح مشروع، يؤكد ويطالب بتحقيقه السواد الأعظم الغالب من هذا الشعب، لقناعته بأنه المخرج الوحيد من التيه الذي وقعت فيه البلاد، وأنه الحل الأنجع، لكل العقد والمظالم الناجمة والمترتبة عن هذه الأزمة.

 

فالمصالحة بالمختصر المفيد، مبادئ صريحة تحصّن الأمّة على مرّ الأجيال، وتحمي الدولة من التفكك والانهيار، وتقيّد الحاكم وتعينه وتؤمنّه أيضا من الزيع والانحراف.

 

وهي إجراءات تردّ حقوقا، وتهدئ الأوضاع، وتنهي كثيرا من المعاناة، وتغلق أبوابا واسعة للاحتجاج والمزايدة.

 

وهي تطمينات تحارب الشّك والقلق.. فتهدأ العقول، وتشرح الصدور، وتذهب بغيظ القلوب، وتصلح ذات البين نهائيا.

 

..  وكنا قد إقترحنا وتمنينا، أن يقود لجنة الحكماء، التي تُشرف على جلسات المطارحة والمصارحة، وتحديد المسؤوليات.. ثلاثة أخيار، من رجال الجزائر الأفذاذ.. ثلاثتهم، شارك في طرد الاستعمار الغاشم.. هم: قائد ثوري حازم، وداعية حليم عالم، وسياسي حكيم فاهم.. الزعيم أحمد بن بلّة  “أول رئيس للجزائر المستقلة”، والشيخ عبد الرحمن شيبان “رئيس جمعية العلماء المسلمين”، والسيد عبد الحميد مهري “الأمين العام لجبهة التحرير الوطني”،  رحمهم الله جميعا وأسكنهم فسيح جناته..

 

ولأن الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك.. فقد رحل الرجال عنا، ولم ننجح في استثمار أبوتهم الدعوية والسياسية والثورية، كلا ولم نستطع حتى، تثمين وتوظيف سلطتهم الأدبية، والإحترام الكبير الذي يكنّه لهم الشعب، وحرصهم و إستعدادهم الدائم، لتضميد جراح الأمة، ومحو آثار الأزمة، والانطلاق إخوة متّحدين في مسيرة الإصلاح الشامل، والتجديد الكامل، الذي يعز الشعب ويكرمه، ويرفع من شأن البلاد ويقويها.

 

فأين نحن من المصالحة الحقة التي انتظرناها؟ ودولة الحق والقانون التي قصدناها؟ والمجتمع المسلم الآمن، المتعلم القوي، الذي جعلناه غاية لا بد من تحقيقها؟

 

لقد منعتمونا حتى من ممارسة أهم حقوقنا المدنية، ورفضتم بمختلف الأساليب الإدارية، والحيل القانونية، رجوعنا إلى الساحة السياسية، مهما كان الإطار وتحت أي اسم.. أما الرجوع إلى مناصب العمل، والحصول على وظائف داخل مؤسسات الدولة، ورد الاعتبار لكل الشرائح التي دفعها النظام الظالم المستبد، إلى سلوك الطريق الذي لم تختره، بل أُجبرت عليه.. فإن الواقع، يؤكّد، أنّكم تراهنون على الوقت لقبر هذه المسائل، و إقناع العالم بالطرح الاستئصالي ونظرته إلى الأزمة الجزائرية، متبعين في ذلك من حيث تريدون أو لا تريدون، النظرية الصهيونية التي تقول في شقّها الأول “فرّق تسد”، وفي شقها الثاني “اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس”.

 

وإلا قل لنا بربّك، كيف نفهم هذا الخطاب الوقح المسموم، لعرابي الاستئصال ودعاة المسخ والتغريب، الذين رجعوا في هذه الأيام وفي عز الهملة الانتخابية، إلى التبجح بالأفكار والمصطلحات البائدة، تشويها لسمعة دعاة الحل الإسلامي الوطني، وتحذيرا من وصولهم إلى الحكم؟!

هل طال عليهم الأمد، أم قست قلوبهم وأظلمت عقولهم، فنسوا سنوات الدم والنار والعار والشنار؟

ألم يكفهم ما جنوه على البلاد والعباد، جرّاء هذا الخطاب الأخرق، والمواقف البائسة والمشاريع المشبوهة الزائفة؟

ألم يكفهم الخراب والدمار، الذي نتج عن الصدام الجنوني بين الانقلابيين، وأبناء الشعب الفائزين في الانتخابات؟

ألم تُأثر فيهم وتُطيب قلوبهم وتُعِدهم إلى رشدهم، المآسي والآلام والأحزان وأكثر من 150000ضحية التي خلفتها المحنة، وكابدها الشعب وعانتها البلاد؟

هل هي حملة جديدة، لدفع البلاد من جديد إلى الفوضى والخراب؟

هل يفزعهم عودة البلاد إلى الشرعية الدستورية، فهم يحاولون جهدهم إشعال فتيل الحرب مرّة أخرى، خوفا من أن ينكشف أمرهم، وتتضح مآمرتهم، وتنفضح جرائمهم ؟ الله أعلم بما يخططون ويبيتون.

 

السيد الرئيس..

بالأمس القريب كان الذين يفاوضوننا، من كبار رجال النظام باسم الدولة الجزائرية، يقولون لنا، بأن السلطة في الجزائر تريد وبصدق، أن تذهب بالمصالحة بعيدا، لكن جيراننا بالخصوص، والغرب على العموم، لا يقبلون بما نريد ويرفضونه، لذلك، وحتى نُفوت الفرصة على كل متربص، علينا أن نذهب في تنفيذ المشروع خطوة خطوة، وفي النهاية، نصل جميعا إلى الهدف المنشود والمبتغى المطلوب.. فكان لهم منا ما طلبوه، ورضينا بالمرسوم الذي أصدرتموه، القاضي بالعفو الخاص عن أبناء الجيش الإسلامي للإنقاذ، مع التمتع بكل الحقوق المدنية.. كان هذا في سنة 1999م.

 

واليوم.. ونحن في سنة 2012  وبعدما وقع عند جيراننا في البلدان العربية ما وقع، وتدخلت الدول الغربية لنصرة الشعوب ضد حكامهم.. مالذي بقي لكم لتحتجوا به أو تختفوا وراءه ؟.. لقد حصحص الحق يا سيدي الرئيس.. وتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، بعد ليل الأزمة الطويل.. وانكشفت الحقيقة للعالم عارية.. لا ينكرها ولا يكابر في رؤيتها إلا مجنون قد فقد عقله، أو طاغية منحرف، قد أعمى الظلم والفساد بصره وبصيرته، وحاشا أن تكون كذلك.

 

السيد الرئيس.

بعد فضل الله الغفور الرحيم، الذي أنزل الطمأنينة والسكينة على قلوب عباده، ثم الشعب الصبور السموح، الذي تجرّع أحزانه وتحمل آلامه ولملم جراحه.. نكون، نحن أبناء الجيش الإسلامي للإنقاذ، ومن وقف معنا وساعدنا، الرقم الأساس، في صناعة السّلم والمصالحة، التي جعلتم منها شعار حملتكم وعنوان برنامجكم، ومن تجسيد بنودها، أكبر أهدافكم ومبتغى آمالكم.. ورغم أننا قدمنا ماكان منتظرا منا وزيادة.. فقد بررتم التأخر في تنفيذ ما عاهدتم عليه، بخطوط حمراء، رسمها لكم ” من تسمونهم المجتمع المدني”..  ثم عدتم ولم يكن العود أحمد.. فبعد ست سنوات كاملة، وعلى عكس ما كان منتظرا منكم، فاجأتمونا بعذر هو أقبح من ذنب، وبحجة واهية، هي أوهى من خيوط العنكبوت.. ذلك أن الرئيس الذي عرفناه يقوم ولا يقعد، ويتكلم ولا يسكت، ويقرّر ويؤكد، أنه رأس السلطة الحاكم، والآمر الناهي فيها، أضحى ضعيفا، لا تسمح له التوازنات داخل النظام، ليعلن العفو الشامل، ويذهب بالمصالحة إلى نهايتها، ويقتلع الأزمة من جذورها..

 

وحتى بعدما دارت الأيام دورتها، و جاء أمر الله، وتوافقت مصالح دول الهيمنة العالمية ومخططاتها، مع تذمر الشعوب وفساد حكامها، وهبّت رياح التغيير العاتية، تفصل الرؤوس عن أبدانها، وتقتلع الأنظمة من جذورها، وركب الجميع، موجة.. الشعب يريد.. وارحل.. و” ديقاج “.. كان موقفنا، الذي وصلكم وقرأتموه، واضحا صريحا.. حاولنا فيه إرضاء الله، وخدمة الشعب، وحماية الوطن.. لكنكم ومع الأسف يا سيّدي الرّئيس، وبدلا من الذهاب مباشرة إلى بيت القصيد، ومحاورة أطراف الأزمة الفاعلين، من شخصيات وأحزاب وجمعيات.. خيّبتم آمال الشعب فيكم، وتوجّهتم إلى هجين من السياسيين ونشطاء المجتمع المدني، لا هم في العير ولا هم في النفير، إذ أن الأغلبية الغالبة منهم، تدور في فلك السلطة، تأكل من ريعها وتتحرك بأوامرها.. وفوّتُّم بذلك فرصة ثمينة، كانت كفيلة بإحداث النقلة النوعية، التي طالما انتظرتها الأجيال.. جيل الثورة، وجيل الاستقلال.

 

وها أنت أيها المجاهد القديم، مرة أخرى، ترتكب خطأ ويزل بك اللسان، وتشبّه المهزلة الانتخابية، والخطوة السياسية العرجاء، بيوم انطلاق الثورة المباركة، وأنت تعرف قبل غيرك، أن الحال غير الحال، والرجال غير الرجال، فليس من صنع الثورة وضحى وحقق الأحلام، كمن مثّل البطولة ولعب دورا في الأفلام.

 

إن الشجاع ياسيدي الرئيس.. هو من يقول الحق و لايخاف في الله لومة لائم..  لا يبالي أرضي عنه الإخوان و الأصدقاء، أو غضب منه الخصوم و الأعداء..  و أشجع منه و أفضل.. من إذا سمع القول اتبع أحسنه، و إذا عرف الحق رجع إليه.. ذلك ماوصى به سيدنا عمر رضي الله عنه أحد ولاته قائلا :” ولايمنعنك قضاء قضيته بالأمس، فراجعت فيه نفسك و هديت لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم لايبطله شيء، ومراجهة الحق خير من التمادي في الباطل“.. فسبحان الله العظيم القائل ﴿ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾.

 

فإذا عزمت حقا، ونويت صدقا، إحياء مبادئ الثوار، وترسيم دولة الأحرار، وأردت أن تصنع مع أبناء الجزائر الأبرار، نوفمبرا جديدا، يجسد و يخلد نوفمبر أبائهم الأبطال.. ليكون هذا الشبل من ذاك الأسد.. فما عليك إلا أن تحزم وتشمر، و تؤذّن وتكبر، وتعلن وتقرر، أن سنوات العمالة والخنوع والتبعية قد ولّت، وأن أيام الوفاء و الشموخ والسيادة قد حلت، ثم تكلف مجموعة من الرجال الكبار في تاريخهم، في مواقفهم، في تجاربهم، في أخلاقهم، في عقولهم، ليباشروا حوارا عميقا شاملا، مع كل الفاعلين في الساحة السياسية، المؤثرين في المجتمع، في السلطة كانوا أو في المعارضة، خاصة منهم فرقاء الأزمة وصناعها، وعلى إثر هذا الحوار الصريح الهادف، تتم صياغة ميثاق الشرف الوطني، الذي يجمع الأمة، ويصحح مسار الدولة، و الذي يجب أن يكون من الدقة والوضوح، بحيث يجد فيه كل جزائري نفسه، ويعرف كل مسئول ظالم حده وكل محكوم مظلوم حقه، ثم، وعلى ضوء ذلك، تُقعّد قواعد الدستور وتُسطَّر مواده، التي على أساسها، تُنَظم وتُسيّر كل شؤون الدولة، في جميع مناحي الحياة.

 

سيّدي الرّئيس.. كنا قد خاطبناك في رسالتنا السابقة، بلسان الشعب الحليم الصابر المكلوم..

وها نحن نخاطبك اليوم، بلسان الشعب الغاضب المظلوم..

ونعوذ بالله أن تجبرنا الأيام، على التصرف بعقلية الشعب الثائر المجنون..

فكن أيها الرئيس، الرجل الشريف الذي حسبناه، والسياسي الحصيف الذي عرفناه، و المجاهد الذي يكمل رسالة الشهداء، والمسؤول الذي يحقق أحلامهم.. وامض بالأمة إلى الميثاق الذي يصلح ذات البين ويذهب بالأحقاد، و يجمع الأمة و ينبذ الفرقة، ويرسي أركان العدل ويقوض دعائم الجور، و يهدي إلى الصراط المستقيم، ولا تجعلنا مرة أخرى، نكفر بالساسة و السياسة، ونقول ما قال شاعر الثورة، ونذهب مذهب الثوار :

ولا تُجدي السياسيةُ معْ ذئاب      تَصرُّفُهم غدا خزيا وعارا

وخيرُ سياسة في الأرض قولٌ      إذا ما قلتَه ألهبتَ نارا

ومن  يُلدَغ  فإنا  قد   لُدِغنا         خداعا من جحوركمُ مرارا

ونحن بنو السلام فإن لجأنا        إلى حرب فقسرا واضطرارا

فإن سلما فنحن دعاة سلم      وإن حربا فحربٌ لا تجارى

هذا البيان نشرناه سنة 2012، بعد خطاب “طاب جناني” للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ولو أنه صدق مع نفسه واستمع إلى النصيحة وغادر الحكم بشرف في آخر العهدة الثالثة، لكانت حاله اليوم أفضل بكثير مما وصل إليه.. وعلى الأخ عبد المجيد تبون أن يأخذ العبرة، ويسدد ويقارب ويمضي على طريق المصالحة الكاملة دون إقصاء ولا تهميش، ولعل وعسى أن يصل بالجزائر إلى بر الأمان والسلام، ويومئذ يفرح الجزائريون بنصر الله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى