آراءمقالات

مخالفات العلمانية العقدية

Latest posts by د. ياسر عبد التواب (see all)

العلمانية – بمعنى أوضح اللادينية – فكرة نشأت في غير ديارنا وسببها الظلم والتسلط والانحراف الذي ابتلي به الغرب بسبب سلوك الكنيسة وتحريفها لدين الله وبسبب ما يسمى بقرارات المجامع الكنسية التي أفسدت دينهم بدأ من ادعاء ألوهية المسيح وانتهاء بتبرئة اليهود من دمه المزعوم !

وهو ما لم تمر به الأمة الإسلامية لا في الانحراف ولا في التسلط ؛ لكننا ابتلينا بتسلط فرضه الغرب بقوة السلاح أو بدهاء المحتل وبغزوه الفكري

فوجدنا من يروج لتلك العلمانية في بلادنا ومن يراها الحل لمشاكلنا والمنهج لحياتنا فيقطعون صلتنا بديننا الذي هو عصمة أمرنا وحبل الله لنا الذي من تركه هوى ومن حاد عنه ضل

لذا فقد رأيت بإيجاز أن أذكر بعض المخالفات العقدية للفكر العلماني القائم على فصل الدين عن الحياة ومن ذلك :

أ- مخالفة العلمانية لربوبية الله تعالى :

من معاني كلمة ( رب) السيادة والملك ومن تمام الملك أن ينفذ حكم ( الملك) فيما يملك قال تعالى : ( الحمد لله رب العالمين) الفاتحة/1 أي سيد العالمين ومالكهم وخالقهم ورازقهم ، ويقول تعالى بعد وصفه ليوم القيامة ( لمن الملك اليوم ، لله الواحد القهار ) غافر/16 ،وكما أن الله تعالى الخلق ، فلا ينازعه في ذلك أحد بإدعاء الخلق ، فإن له كذلك الأمر قال تعالى: ( ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) الأعراف (54) فلله الأمر أي الحكم . كما أن لله الخلق

والأمر في الشرع يأتي بمعنيين :

1- أمر في تدبير الخلق ورزقهم : وهذا لاينازع الله فيه أحد كمثل ما قال تعالى (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) (السجدة 5)

2- الأمر الشرعي : أي ما يأمر الله به عبادة من الحلال والحرام وسائر الشرائع وذاك الذي تنازع فيه العلمانية وكل من اتخذ إليها بعده من دون الله

لذا فقد قال تعالى : (ولقد أرسلنا موسى بآيتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملأه فاتبعوا أمر فرعون وماأمر فرعون برشيد) [هود 96-97] فنازع فرعون في الحكم الشرعي وما أتاهم بأمر رشيد ، وكمثل ما حكى الله تعالى في القرآن عن قوم صالح ( فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم ) الأعراف (77)

وما أشبه الليلة بالبارحة فكما كره هؤلاء التزام حكم الله ، وامتثال أوامره وبدلوها واتبعوا بذلك أهواءهم وما تشتهى أنفسهم جريا وراء مصالحهم ومجاراة لنظمهم؛ فإن العلمانية وأتباعها يفعلون الشيء نفسه

فالإسلام يوجب على المسلم تحقيق توحيد الربوبية للذي قال له ( ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين )

فيعلم أنه يجب عليه الإيمان بالله من أمر كوني تدبيري وما له تعالى من أمر شرعي فيكون بذلك قد أتى بالإيمان بربوبية الله على وجهها الصحيح ( بل لله الأمر جميعا) الرعد (31) ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ) الجاثية (18)

ب- مخالفة العلمانية لمفهوم ألوهية الله :

فمعنى الإله : المعبود

والألوهية : العبودية

قد جاء الأنبياء جميعا لأقوامهم بقول واحد ( اعبدوا الله مالكم من إله غيره ) الأعراف جزء من 85

وفى الحديث المتفق عليه من معاذ رضى الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” يا معاذ أتدرى ما حق الله على العباد ؟ قال قلت : الله ورسوله أعلم قال :حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا )(1) متفق عليه .

فالعبادة هي حق الله على خلقه والمطلوب فيها أن يؤدى العبد ما أمره الله تعالى مستحضرا كمال الحب مع كمال الذل والخضوع لله .

فيؤدى الشعائر التعبدية من الصلاة والصيام والزكاة والحج والدعاء والنذر وغير ذلك: لله تعالى ، كمثل ما أمر الله من غير زيادة ولا نقصان مع كمال الحب وكمال الذل ،

وكذلك يفرد الله بكمال الخضوع لأمره ونهيه ؛ واتباعه فيما أحل وحرم فإن أمر بجهاد جاهد أو أمر بمعاداة الكفار والتبرؤ منهم فعل أو أمرت المرأة بحجاب امتثلت

وإن نهى المسلم عن الربا والزنا والسرقة والفواحش بادر بالترك .وكل هذا من كمال العبودية لله .

والعلمانية لا تفعل ذلك بل هي تفصل الدين عن مجالات الحياة وفي السياسة تعتمد مقولة ( حكم الشعب ) فما رآه الشعب حسنا فعلوه ، إلا تركوه وراءهم من غير نظر لكون ذلك من أمر الله أم من غيره

والشعب في أغلبه تابع لكل ناعق ، فأنى له أمر يهدى إلى هدى؟

قال الشاعر :

أعمى يقود بصيرا لا أبا لكم قد ضل من كانت العميان تهديه

قال تعالى : ( قل إنني هداني ربى إلى صراط مستقيم دينا قسما مله إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) [ الأنعام 16]

وأخيرا نذكر بأنه لا يجوز للمسلم أن ينتقي التحاكم للشريعة فيفعل ذلك حينا ويتركها حينا

لأن هذا ما عابه الله تعالى على اليهود حين قال لهم (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) [البقرة:85]

فإن من ترك شيئاً من كتاب الله ولم يعمل به تقصيراً وتهاوناً في بعض أوامر الله التي لا يكفر بها، وعمل بالبعض الآخر، ليس هو المقصود هنا، لكن المقصود من آمن ببعض وكفر ببعض، أي: اعتقد بطلانه ولم يصدق به أصلاً، ولم يلزم نفسه به، وكأنه لا يأبه به ولا بمن أنزله، ولا اعتبار له عنده

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى