أقلام حرة

محمود صقر يكتب: بين أسكندرية وفينيسيا تاريخ وشجون

محمود صقر
Latest posts by محمود صقر (see all)

حين حطت بي عصا الترحال في فينيسيا، لم أكن أتوقع أن تكون اسكندرية حاضرة في فينيسيا بكل هذا العمق.

العمارة الفينيسية القوطية تشبهها بعض مباني اسكندرية، نفس الوحدة الزخرفية للدور الأخير من واحدة من أجمل عمارات محطة الرمل المطلة على البحر، ومصممها المعماري المصري الإيطالي “أليساندرو  جياكومو لوريا” في العشرينات من القرن العشرين، مستوحاه من قصر دوكالي في فينيسيا.

شعار الأسد المجنح الذي يحتضن الإنجيل، هو شعار المدينة الذي يواجهني حيثما قلبت بصري، وهو ذاته شعار الكرازة المرقسية بالاسكندرية.!

ظللت أسأل نفسي كيف يكون شعار الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، هو شعار معقل من معاقل الكاثوليكية، والتي قادت الحروب الصليبية زمنا طويلا ضد الشرق.!

وفي ساحة سان ماركو الشهيرة حصلت على إجابة السؤال، واكتشفت معها كم أن مدينة الاسكندرية حاضرة بقوة في قلب فينيسيا، فكنيسة سان ماركو أشهر معالم فينيسيا تضم رفات القديس مرقص، ورفات القديس مرقص انتقل لها من اسكندرية، في مغامرة هوليودية رواها لنا المرشد السياحي، حيث قام مجموعة من القراصنة الفينيسيين بسرقة الرفات من كنيسة الملكيين باسكندرية ونقلوه لفينيسيا في القرن التاسع.

وفي القرن الخامس عشر حصل الفينيسيون من مدينة الاسكندرية على نسخه أصليه (باللغة اليونانية) من الإنجيل الذي كتبه القديس مرقص، وهو ما يعتبره مسيحيو الشرق تكذيب لادعاءات المؤرخين الغربيين التي تذكر أن مرقص الرسول كتب إنجيله في روما وباللغة اللاتينيه، وتثبت أن إنجيل مرقص تمت كتابته في مصر، والتي كانت تستخدم اللغة اليونانية بشكل واسع في ذاك الزمان.

ومع الحضور الطاغي لمدينة الاسكندرية في قلب فينيسيا، حضر السؤال البديهي:

لماذا يزور فينيسيا ملايين السياح كل عام، بينما يتناقص عددهم في الأسكندرية عاما بعد عام.؟!

والجواب المباشر: أن فينيسيا ظلت فينيسيا، بينما لم تعد أسكندرية هي أسكندرية.!

مازالت فينيسيا تحتفظ بمبانيها التاريخية، وحرفها التقليدية من زجاج المورانو، وتحتفظ بحاراتها وقنواتها وبازلت الأرضية لشوارعها، وتحتفظ بجندولها بنفس شكله القديم، وتقييم المهرجانات بنفس أزيائها التقليدية …

أما أسكندرية، ففي الخمسين عاما الأخيرة تم سلخها من كل ما كان يميزها:

في إحصاء عام 1923 كان في حي الرمل وحده 3578 فيلا فاخرة، بعضها من تصميم كبار المعماريين على مستوى العالم، فكم بقي منها.؟!

تم ردم ترعة المحمودية بعد عقود من الإهمال، وتم تجريف أجزاء من حديقة النزهة، وتم إغلاق حديقة أنطونيادس وما كانت تحويه من تماثيل وقصور، تم مصادرة الكورنيش وتغيير معالمه.

حتى البازلت الذي كانت ترصف به الشوارع وبردورات الأرصفة، تم تتبعها شارع شارع وزنقة زنقة ورصيف رصيف حتى إزالتها بالكامل.

مدينة فينيسيا التاريخية حافظ عليها أهلها كما هي بعبق تاريخها، وأنشأوا تجمعات عمرانية خارجها لاستيعاب الزيادة السكانية، أما أسكندرية، فقد تم الزحف على مراكزها التاريخية، وإضافة عشوائيات في قلبها وعلى أطرافها.

في فينيسيا كان يمر بي قائد الجندول بين جنباتها ويشير إلي تاريخ الأبنية بكل فخر واعتزاز، يشير إلي هذا البناء ويقول: هنا كان يسكن الموسيقار “أنطونيو فيفالدي” صاحب مقطوعة الفصول الأربعة، وهنا عاش المؤلف والمغامر الإيطالي “جاكومو كازانوفا”، وهنا عاش التاجر والمستكشف الإيطالي “ماركو بولو”.

تعلمتُ أن هذه المباني التي تبدو مهترئة، ليست مجرد حجارة مرصوصة، ولكنها مستودع ذاكرة الأمة وصفحة حية من تاريخها، تتحمل الدولة مسئولية رعايتها وحمايتها.

تعلمتُ أن الحرف التقليدية، والفنون التقليدية، هي جزء من تراث الأمة وإرثها الثقافي.

وجدتُ نفسي أمام نموذج لمدينة صغيرة لا تمتلك أي موارد طبيعية، ولا تمتلك مِعشار ما كانت تمتلكه أسكندرية من تاريخ ومقومات، ولكنها في غاية الازدهار، ومصدر ازدهارها هو السياحة.

فالسياحة هي نهر اقتصادي يدير دولاب اقتصادي كامل يشمل التجارة والصناعة والمواصلات وتوفير فرص العمل والعملة الصعبة … وأهم من كل ذلك؛ هي خير سفير للدعاية لثقافة وتراث الدول.

تعلمتُ أن النجاح لا يأت من فراغ ولا يأت بالمصادفة ولا بالشعارات الفارغة، بل بالتخطيط والفكر والجهد والتنفيذ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى