آراءأقلام حرة

محمد فخري جلبي يكتب: تنازلات مثقف

Latest posts by محمد فخري جلبي (see all)

أدركت مؤخرا بأنني لست على ما يرام، فمازالت المدينة تحيك شباكها بتروي لاصطياد كريات دمي وعلى الرغم من معرفتي بأنني مستهدف حتى من أعمدة الإنارة والنوافذ والجدران الحاقدة، مازلت مستمرا بالحياة في تلك المدينة المنفية خارج أروقة الخريطة؟ فقرار الهرب يحتاج شجاعة تكاد تعلو شجاعة الانتحار.

 

في هذا الوقت اللامتناهي من الألم وكل شيء ضدي، أواكب انحداري نحو القاع بأقصى سرعتي، حيث بات التخلي عن مبادئي أمر طبيعي لا يصيبني بالعجز والندم، بل أصبح الأمر أقسى بكثير مما قد يتصوره إنسان عاقل نادى فيما مضى بحقوق أقرانه من البشر، فحدوث ثقب صغير في معطف مستخدم لعدة سنوات أصابني بالهلع أكثر من رمي حزمة مبادئ في سلة المهملات؟ للوحدة والمنفى أن اجتمعا معا في جسد رجل دين ملتزم لاعتزل دور العبادة وأستوطن خمارة تبيع الكحول الرديء!

 

أدركت مؤخرا بأنني لست أؤدي رسالة ذات قيمة، ففي عصر الرذيلة لن يحضر أحد ندوتك عن الشرف، وفي عصر الفشل اللغوي الذريع لن يفهم أحد سبب غضبك العارم لتصدر أغنية مبتذلة مطلعها “بحبك يا حمار” مبيعات وطن بأكمله يضم كافة الشرائح العمرية، وفي عصر الفساد الحكومي لن يجدي نفعا تنبيهك لمن حولك بفداحة ما قد يحصل في المستقبل، وفي عصر الانزلاق الديني لن يخيفني تسلم شاذ وزارة الأوقاف في بلد عربي مسلم.

 

أدركت مؤخرا بأن ممارسة الكتابة فعل فاضح وجريمة نكراء ومرض ميئوس العلاج منه، وكما كانت الكتابة تسعدني في السابق وتزج شياطين اكتئابي في سجن مؤبد أصبحت الآن سبب تعاستي ومنبع أحزاني.

 

أدركت مؤخرا بأن الكحول قد يضر بالصحة ولكنه يريح العقل، وبأن ارتياد نوادي التعري قد يفسد ذائقة المتلقي ولكنه يحرق غابات من الذاكرة الرديئة مع أول هزة وسط، وبأن القفز فوق الحواجز الأخلاقية وتبضع حفنة من الرذيلة مع باقة ورد يكفي ليقدم لك المجتمع جائزة المواطن المثالي.

 

من نقاوم؟

 

مجتمع يعج بالبغاء ينكر كافة الأديان السماوية بالإفصاح أو بالأفعال، من يستطيع هزمه؟

 

فوضاهم أغرقت مراكبنا في قاع محيط من التفاهة والانحطاط؟

 

اللاوقت لم يعد يسعنا للتفكير في السباحة في شبر ماء من الأمل؟

 

أدركت مؤخرا بأن الرقص فوق النيران قد يؤذي الأرجل ولكنه يحفظ الحياة؟

 

أدركت مؤخرا بأن تصنع البلاهة أمر ضروري لشطب أسمك من سجلات أمن الدولة؟

 

أدركت مؤخرا بأن دكاكين السياسة أعظم صرح شيده الإنسان الحجري في عصرنا؟

 

أدركت مؤخرًا بأن البعيد شاء لنا تلك النهاية حينما ألقى في أيديهم البنادق ومنحنا أغصان الزيتون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى