آراءمقالات

سالفة الذيب من كبيسة إلى الدوحة

د. محمد عياش الكبيسي
Latest posts by د. محمد عياش الكبيسي (see all)

 

1998 كان أول وصولي إلى الدوحة للتدريس في جامعة قطر، وكان قد سبقني  فضيلة الأستاذ الكبير الدكتور عامر خضر الكبيسي وكان يومها مديرا في معهد التنمية الإدارية/ قطر، وكان لقاؤنا شبه يومي نتسامر ونتحاور في كل شيء وقد استفدت منه كثيرا، وهو أحد أعلام علم الإدارة في العالم العربي.

 

في ليلة ونحن جالسون عنده رنّ عليه الهاتف الأرضي، وكان على الطرف الثاني امرأة قطرية فاضلة كبيرة في السن تسأله عن د محمد الكبيسي، فقال لها: هذا هو تفضلي، سلّمت عليّ وقالت: أنا سمعت بك أنك تدرّس في الجامعة، فهل أنت كبيسي قطري أو عراقي؟ قلت لها: لا فرق إن شاء الله، لكني عراقي، قالت: تقبل أمتحنك؟! قلت: بكل سرور، قالت: تعرف سالفة الذيب؟ طبعا تعجبت من سؤالها، وكيف وصلت سالفة الذيب إلى قطر؟

 

المهم بدأت أقص عليها القصة بالتفصيل كما طلبت: كبيسة واحة عيون ونخيل تقع على كتف الصحراء الشاسعة الممتدة من العراق نحو الشام والأردن والسعودية، وكانت مساكننا في (البو حمد) على أطراف النخيل، وكان الناس لا يغلقون أبوابهم حتى ساعة متأخرة من الليل، وكانوا يعيبون على من يغلق بابه ويقولون: (يهود وبابهم مردود)، وفي إحدى الليالي الصيفية سنة 1971 -على ما أذكر- هجم ذئب على بيت جارنا الملاصق لبيتنا، وكان البيت لأعمامي، ولم يكن في البيت غير النساء والأطفال، حيث كان الرجال يجتمعون ويسهرون في مجالسهم المعتادة، فأصاب الذئب زوجة عمي (أم فاضل) ثم أصاب عمتي (أم خميس) وكانت بعيدة نسبيا عن الحدث لكن دفعتها عاطفتها إلى المجيء دون تحسّب فأصابها ما أصابها، ونحن ننظر عليهم من السطح، وقد سيطر علينا الهلع، وكان عمري آنذاك تسع سنين، بعدها سمعنا أن العم (عقلة) واجه الذيب في مكان آخر بعد خروجه من عندنا،  وتمكن من قتله بالمسحاة (الكرك) وحز رأسه بالخنجر، وصار الأطفال يهتفون له: (هلهولة لعقلة الصامد) يحاكون بذلك أغنية البعث أول مجيئه للحكم (هلهولة للبعث الصامد).

 

في الصباح الباكر بعد ليلة ساهرة ومرعبة، أيقظتني أمي للذهاب إلى درس القرآن الكريم في بيت الملا مع أبناء عمي الغالين: حاتم وإسماعيل وأحمد وعلي، فذهبنا جميعا كالمعتاد وقد أخذ الذيب نصف وقت الدرس تقريبا، وكنت قد ختمت القرآن في ذلك الصيف على يد الملا محمود والملا موفق -جزاهما الله خيرا-.

 

هنا: تنهدت المرأة الفاضلة، وقالت: هل تعلم يا دكتور أن (عقلة) هو والدي، وأني قد كنت معه في ذلك الموقف، وأنا الآن قطرية نعم وأعتز بذلك كما أعتز بعراقيتي وبناسي وأهلي، ولما سمعت بكم لم أصبر، هذا هو سمتنا وهذه هي عاداتنا التي تربينا عليها، ثم أصرت أن تستقبلنا في بيتهم العامر أنا والدكتور عامر والأهل أجمع، -رحمها الله تعالى ورحم أمواتنا وجميع أموات المسلمين-

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى