آراءمقالات

أنا وطلّابي.. ذكريات لا تنسى (1)

د. محمد عياش الكبيسي
Latest posts by د. محمد عياش الكبيسي (see all)

أنا وطلّابي.. ذكريات لا تنسى(1).. سنة 85-86 أول سنة أمارس فيها التدريس الرسمي، كان ذاك في متوسطة المشتل (الرافدين حاليا) في مدينة الفلوجة العزيزة وبقيت فيها خمس سنوات، قبل أن أتحول إلى الجامعة.

 

كان مستوى الطلاب بشكل عام جيدا، وكان أغلبهم من الحيّ الذي فيه مسجد الشيخ العالم والداعية العامل د مكي الكبيسي -رحمه الله-، وكان بيني وبينه تعاون وتنسيق إلى أبعد الحدود خاصة فيما يتعلق بأحوال الطلاب، وكنت أفرح كثيرا حينما ألتقي بطلابي بعد الدوام في المسجد، وكانت فرحة الطلاب بنا أكثر، وكانت بحق تجربة رائدة في التكامل بين المسجد والمدرسة، وكنت أعشق التدريس فكنت آخذ من 25-30 محاضرة في الأسبوع الواحد على مدار السنة!!

 

كان مدير المدرسة إداريا ناجحا وحريصا على تطبيق النظام غاية الحرص، وكان شديدا ومهابا عند الطلاب، وودودا جدا مع الأساتذة، إلا أنه ذات يوم وأنا أهم بالذهاب إلى الدرس قال لي: أستاذ محمد اجلس، أكلمك في موضوع، جلست، قال: بصراحة لاحظت تغيّرا في سلوك ولديّ؛ عدي وقصي، صارا يلتزمان بالصلاة على أوقاتها، وأظن هذا كله منك! وهو مؤشّر مقلق بالنسبة لي! استغربت  لأنه هو نفسه كان يصلي، لكنه ربما كان يخاف على أولاده خاصة في تلك الظروف، وأولاده حقيقة كانوا في غاية الأدب وحسن التربية،  هنا حاولت أن أطمئنه بعض الشيء، فقلت له بكل هدوء: أستاذ موضوع الصلاة جزء من المقرر وإذا التربية قالت: لا تدرسوا هذا الموضوع فأنا لا أدرسه، هنا ارتاح بعض الشيء، ثم توطّدت العلاقة بشكل ممتاز، خاصة حينما كان الطلاب يتفوقون بشكل واضح ليس بمستوى الدرجات فقط وإنما بمستوى الانضباط والرغبة في التعلّم، ثم رأيته بعد ذلك يصلي في جامع الهداية، بعد أن تحولت أنا إلى الجامعة، وكان ذلك آخر عهدي به، والله يغفر لنا وله.

 

أذكر في تلك المرحلة كان عندي طالب كأنه نابغة من النوابغ، اسمه ياسر حردان المحمدي -رحمه الله- وكان يوميا يعمل لنا مشكلة في المدرسة -مع أنه على غاية من الأدب والسمت الحسن- وإنما كان ذلك بسبب كثرة أسئلته الفلسفية العميقة، وإحراجه لبعض المدرسين الجدد، حتى قالت له إحدى المدرسات وهي وافدة من بغداد: أنا لا أتحمل رؤيتك في الصف، فذهبت إليها وأنا أعلم المشكلة، فقالت: يا أستاذ محمد أرجوك قل لياسر يجلس في بيته وأنا أعطيه درجة كاملة، هذا لا يحتاج أن يدرس أو يمتحن! ثم اتفقنا على حل أن لا يسألها أمام الطلاب!

.

ياسر وما أدراكم ما ياسر؟ إنه باختصار كأنه خلق ليفكر فقط، كنت أتمشى معه مرات عديدة لساعة أو أكثر حول جامع الراوي القريب من بيتهم في حي الجمهورية، فأسعد بالحوار معه وكأني أتحاور مع أستاذ مختص،  لقد كان يسمع خطبة أو قصيدة أو مقالة، فينهال عليها بأسئلته وتحليلاته واعتراضاته.

 

مرة زرت والده في بيته وكان رجلا عصاميا وقورا ومتواضعا، فطار ياسر من الفرح وأخذ يسترسل بتساؤلاته وحواراته، فقال له أبوه -رحمه الله-: ياسر إذا حضر أستاذك فأنت تسكت. فقال: يا أبي أنت لا تعرف أستاذي، هو يفرح أكثر مني، وهو الذي علمني: إنما المرء بأصغريه؛ قلبه ولسانه.

 

في صباح يوم حزين فجعتُ وفجعتِ الفلوجة كلها بخبر موته المفاجئ وهو على فراشه، قال لي يومها شقيقه الأستاذ مجيد حردان -وهو من خيرة الأصدقاء الذين عرفتهم- وكأنه يواسيني: راح الذي كنت تحبه وتعقد عليه الآمال.

 

رحم الله تلك الأيام الجميلة، ورحم من فقدناه من طلابنا، والله يبارك بالباقين ممن لا زالت صورهم في قلبي وإن كنت ربما قد نسيت بعض أسمائهم. وبيننا دائما حق النصح والدعاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى